اللقاءات الثنائية التي خطفت الأضواء من مؤتمري "العهد الدولي" و"الأمن والاستقرار" في العراق، اللذين عُقدا في شرم الشيخ يومي الخميس والجمعة الماضيين، تثير "السؤال" الغائب- الحاضر الذي يختزل أزمة بلد يتآكل يوماً بعد يوم. والسؤال هو: إذا كانت لقاءات سريعة، وبعضها كان عابراً، بين وزيرتي خارجية أميركا وبريطانيا ووزير خارجية سوريا وإيران، أحدثت كل هذا الاهتمام، فلماذا لم يُصمم المؤتمران أصلاً على أساس المفهوم الذي يجمع بين تلك اللقاءات، وهو البحث عن مدخل لمعالجة الخلافات المحيطة بالأزمة العراقية والمرتبطة بها والمؤثرة فيها؟ لقد عُقد المؤتمران بلا مفهوم واضح، ولا فلسفة مفهومة. وبدا، في كثير من الأحيان، أن المفهوم الوحيد الذي يحكمهما هو "الحركة بركة"! ولذلك لم يختلف ما نتج عنهما في اتجاهه العام والكثير من تفاصيله، عما صدر عن 16 مؤتمراً سابقاً عُقدت من أجل العراق، وكان أحدها دولياً على مستوى مؤتمر "العهد الدولي" استضافته شرم الشيخ أيضاً في نوفمبر 2004، فيما كان معظمها لدول الجوار العراقي ومعها مصر. وإذا كان المؤتمران ركزا على ما ينبغي فعله في العراق، وأعادا تأكيد أهمية المصالحة الوطنية، وجددا التذكير بالمقومات اللازمة لها، وكررا الالتزام الدولي بمساعدة العراقيين ورفعوه إلى مرتبة "العهد"، فهذا خير يُشكر عليه جميع من شارك فيهما، دولاً ومنظمات. غير أن هذا كله قد يبقى في إطار نوايا حسنة أو أكثر قليلاً، وربما لا يتجاوز الأمنيات الطيبة أو يزيد عليها بقليل، ما لم يستند على إرادة تبدأ بإدراك أن الفجوة الرئيسة بين إعلان عهد وتنفيذ وعد هي في "الأجندات" المتناقضة بين معظم أصحاب العهد والوعد. وإذا كانت مهارة الصياغات اللغوية، التي نجحت في الوصول إلى نص للعهد الدولي متفق عليه، قد أخفت هذا التناقض على الورق فهيهات أن تحقق نجاحاً مماثلاً على الأرض. وقد لا يفيد أي عمل لإنقاذ العراق ما بقيت "الأجندات" الإقليمية والدولية متناقضة. وهذه هي المعضلة التي كانت غائبة وحاضرة في آن معاً. غابت في أعمال المؤتمرين، بينما حضرت في اللقاءات الثنائية التي ازدادت أهمية كلٍّ منها بمقدار التناقض بين "أجندتي" طرفيه. وما دام التناقض الأميركي والبريطاني مع كل من سوريا وإيران هو الأكبر، فقد كان طبيعياً أن تحظى اللقاءات بين هذه الأطراف بأكبر قدر من الاهتمام، رغم أنها لم تكن أكثر من استكشاف مواقف أو تبادل كلمات. وربما كان صعباً تصميم المؤتمرين وفق هذا المفهوم، وهو "الأجندات" المتناقضة وكيفية تجسير الفجوات بينها، لأن السعي إلى فتح جسور بين أصحابها يحتاج إلى عمل تراكمي، وقد يقتضي عقد لقاءات بعيداً عن الأضواء في البداية. غير أنه ما كان لتلك الصعوبة أن تمنع السعي إلى جعل المؤتمرين بداية متواضعة للعمل وفق هذا المفهوم بشكل أو بآخر، بدلاً من أن يكون المؤتمران مجرد "تظاهرة كبرى" على النحو الذي وصفها به رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. والمؤلم، في هذا، أنه اعتبر المؤتمرين "تظاهرة" من باب تقريظهما وإبداء الحبور بهما، كما لو أنه لم يعد في الإمكان أبدع من النشاطات الاحتفالية ولا بقي في الجعبة أكثر من ذلك! فقد كان صعباً بالفعل، ومازال، السعي إلى الحد من التناقض بين "الأجندات" الإقليمية والدولية المؤثرة في العراق، رغم أن بعض اللقاءات الثنائية التي عُقدت على هامش المؤتمرين أوحى بأن الأمر قد لا يكون مستحيلاً. ولكن يظل المدخل الرئيس إلى وضع يتيح التطلع بجدية إلى "أجندات" أقل تناقضاً هو حدوث تغيير في السياسة الأميركية تجاه الأزمة العراقية في مجملها، وإزاء بعض القوى الإقليمية بصفة خاصة. والمفترض منطقياً أن يحدث شيء يسير من هذا التغيير، بسبب تفاقم مأزق إدارة بوش في العراق وتصاعد الضغط الداخلي عليها بعد أن أصبح "الديمقراطيون" أغلبية في مجلسي الكونغرس منذ نوفمبر الماضي. وليس الصراع الحاد على شروط تمويل القوات الأميركية في العراق إلا المظهر الأكثر وضوحاً لهذا الصراع الذي يضع إدارة بوش اليوم في موضع غيره بالأمس القريب. غير أن ما يبدو أن إدارة بوش مستعدة له لا يكفي حتى الآن لأكثر من لقاءات استكشافية مع سوريا وإيران. وحتى هذا التحرك المحدود الذي قامت به وزيرة الخارجية الأميركية استبقه رئيسها بوضع حدود له تنطوي على رسالة طمأنة لنائبه المتطرف ديك تشيني و"المحافظين الجدد" الذين لا يمكن أن يريحهم أي تغيير في السياسة الفاشلة التي خططوا لها ومازالوا يصرُّون عليها، حتى إذا كان تغييراً سطحياً وبطريقة "سلحفائية". وحتى إذا كان بوش يعرف الآن، بدرجة أكثر من ذي قبل، أن الحصول على مساعدة دول مثل سوريا وإيران ضروري للخروج من "الوحل" الذي غرق فيه نتيجة فشل سياسته في العراق، فهو لا يريد أن يدفع أي ثمن لذلك، سواء لهاتين الدولتين في شكل مباشر، أو للحد من التوتر المتزايد في الشرق الأوسط وتخفيف الاحتقان الإقليمي العام الذي ينعكس على الأزمة العراقية فيزيدها حدة. لكن المشكلة، من هذا المنظار، ليست في إدارة بوش وحدها، لأن الثمن الذي تريده الحكومتان الإيرانية والسورية قد لا يكون واقعياً، سواء فيما يتعلق بأقصى ما يمكن لهذه الإدارة أن تقدمه، أو فيما يتصل بالوضع الدولي والإقليمي بشكل عام. فالثمن الذي تريده إيران يبدأ ببرنامجها النووي، ولا ينتهي عنده لأنه يشمل دورها الشرق أوسطي. وليست أميركا فقط هي التي يقلقها احتمال امتلاك إيران سلاحاً نووياً، لأن الأوروبيين يشاركونها هذا القلق، فضلاً عن إسرائيل وأنصارها في واشنطن بنفوذهم الذي يُحسب حسابه أكثر كلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية. كما أن الدور الذي تسعى إيران إليه على المستوى الإقليمي، وتريد من واشنطن اعترافاً به وربما دعماً له، يثير حفيظة كثير من العرب الذين تحتاج أميركا إلى مساعدتهم في العراق، بحيث يجوز القول إنها قد لا تكسب شيئاً إذا حصلت على مساعدة طهران وخسرت القاهرة والرياض أو فقدت دورهما ومعهما عواصم عربية أخرى. وقل مثل ذلك عن الثمن الذي تطمح إليه سوريا، لأنه يتركز في لبنان بالأساس حيث يرتبط الانقسام الداخلي. بـ"الأجندات" المتناقضة إقليمياً. فإذا تراجعت واشنطن عن دعمها للحكومة اللبنانية الحالية وفريقها (14 آذار) في مقابل مساعدة سورية جوهرية لها في العراق، سيغضب أنصار هذا الفريق في المنطقة. وهم أيضاً أصدقاء الولايات المتحدة. كما أن تغييراً في السياسة الأميركية في هذا الاتجاه سيلقى مقاومة من فرنسا التي تلقي بثقلها وراء فريق (14 آذار)، فيكرر التاريخ نفسه بشكل معكوس مقارنة بما كان عليه الخلاف الأميركي– الفرنسي تجاه الحرب على العراق. وهكذا يبدو تناقض "الأجندات" أقوى من أن يمكن لمؤتمر أو مؤتمرين أن يتعامل معه. ولكن هذا لا يمنع من أن يسعى مؤتمر أو مؤتمران إلى وضع أساس متواضع للتعامل معه ما دام هذا هو الطريق الوحيد للبدء في إنقاذ العراق. وبدون ذلك، سيكون أكبر مؤتمر حول العراق مجرد "تظاهرة كبرى" على النحو الذي رأيناه في شرم الشيخ قبل أيام.