يبدو أن استمرار الرئيس في السلطة أو توريثها ليس هماً ينتمي إلى المنطقة العربية فقط، لكن المعارك السياسية الأخيرة في السنغال ثم نيجيريا، كما هي في جنوب أفريقيا وكينيا، تكشف عن معايشة أفريقية لنفس المأساة السياسية إن لم يكن الإنسانية. والملفت أن الجميع يحاجج بمثال الولايات المتحدة تارة أو المثال الهندي تارة أخرى، لتبدو الديمقراطية وكأنها وهم يعبث به العابثون، ولا داعي لقلق أهلنا الذين ينشدون في النهاية نوعاً من الاستقرار أو التقدم دون داع للتفكير في التغيير المثير للقلاقل!. لكن هؤلاء ينسون تلك التفاعلات الديمقراطية واسعة النطاق التي تقوم في نمط المجتمع الرأسمالي الأميركي من جهة أو نمط التنظيم الشعبي الكاسح في الهند من جهة أخرى، بما لا يخفي على الدارسين لأي من هذه التجارب، خلافاً للنهج الفردي أو الإقصائي الفج في بلادنا العربية أو الأفريقية. ورغم أننا نضع الحالات الأفريقية تحت المنظار العربي نفسه لتيسير طرح المشكلة التي تعانيها شعوبنا، فإننا يمكن أن ندرك بسهولة أن الحالات الأفريقية تظل أقل فجاجة من حالاتنا العربية حتى! الحالات الأفريقية ما زالت ترعوي في نظرها وممارساتها للاعتبارات الديمقراطية وتعتبر هذه الممارسات التي نسميها إقصائية أو فردية وشخصنة قضية الرئاسة جزءاً من التفاعلات الديمقراطية في النهاية. ولننظر لحالة السنغال ونيجيريا أولاً باعتبار ما حدث في هذين البلدين مؤخراً من انتخابات رئاسية، ولننظر بعدهما في حالة ما يجرى في جنوب أفريقيا وكينيا. في حالة السنغال صمم الرئيس "عبد الله واد" على العودة لدورة ثانية في الرئاسة (وهذا حقه)، لكن ذلك بعد تجاوزه الثمانين، واعتبرت الأغلبية بقاءه بعد ذلك نزوعاً فردياً لا يتفق مع دعمه للتمرد على صيغة انفراد عبده ضيوف من قبل أو وعده لممثلي الأجيال التالية من حوله مثل" إدريس سيك" أو "مصطفي نياس" للصعود إلى هذا المنصب. كان ذلك يعني إخلاصه لمبادئ "تداول السلطة" و"التغيير" التي ناضل هو نفسه مع هؤلاء من أجلها في الدورة السابقة التي تحالفوا فيها من حوله لإسقاط عبده ضيوف نفسه. وإذ به ولعدة سنوات خلت، يعمل منفرداً لتقزيم هذا وعزل ذاك، وفض التحالف الديمقراطي نفسه الذي جاء به عام 2002 رئيساً مظفراً للسنغال! وقد بدا للجميع أن ذلك العجوز قد أغراه المنصب، وراح يقرب عشيرته، ويقترب من شيوخ الطوائف الذين لم يجر اتفاق إلا على قوتهم الدينية المحافظة خلافاً لأفكار التغيير الليبرالية الديمقراطية والحداثة، التي كان يتبناها هو كمحامٍ عاش في باريس طويلاً مُبعداً لأسباب غير ديمقراطية. وبهذه الجوقة من العناصر غير الديمقراطية عاد الرئيس "عبدالله واد" للرئاسة في احتفالات بدت كالتتويج، في بلد "سنغور" الذي ترك الرئاسة مختاراً عام 1981 ليتولاها خلفه وحليفه في شكل ديمقراطي بدا ظاهرة جديدة في القارة في ذلك الوقت. في حالة نيجيريا، التي مازالت فيها توابع المعركة الانتخابية للرئيس بين أروقة المحاكم، بدت المسألة أكثر تعقيداً، فالرئيس"أوباسانجو" رجل عسكري سابق، فرض نموذج انسحاب العسكر من السلطة بهدوء من أجل حكم مدني مستقر عام 1983، ثم عاد إلى منصب الرئاسة كمرشح مدني عام 1999 وحصل على مدتين للرئاسة برضا شعبي ملحوظ. وعندما اقترب موعد "التداول" حسب الدستور عام 2007 ليصبح الأمر متروكاً لاختيار رئيس جديد، بدا الأمر صعباً على نفسه وقد حقق من الشهرة العالمية الكثير، وقام بدور ملحوظ في تحقيق وضع دولي وإقليمي لنيجيريا لا ينكر، ومن ثم بدأت محاولته في الهيئات المحلية والدستورية في نيجيريا عام 2006، لطرح إمكانية استمراره لمدة ثالثة بتعديل الدستور لهذا الغرض. لكن "أوباسانجو" واجه مقاومة شديدة من أقاليم شرق وشمال نيجيريا، بل ومن إقليمه في الغرب من أبناء "اليوروبا". واتخذت كل الإجراءات الدستورية لمنعه من المحاولة في ظل جدل ديمقراطي واسع -يذكر من حسناته– لتترك المعركة لعناصر جديدة من حزبه "الشعب الديمقراطي" في منافسة مع مرشحي الأحزاب الأخرى. هنا دخلت ظاهرة أن يبعد أية فرصة لنائبه "أبو بكر أتيكو" من حزب "العمل" حتى لو عرّضه لتهمة الفساد والرشوة، باحثاً عن وجه غير معروف يدفع به للرئاسة ويكون استمراراً لنفوذه الشخصي، فكان ترشيح "عمارو يارادوا" أحد حكام أقاليم الشمال، وبالتحديد إقليم "كاتسينا"، فهو من حزبه، وهو ابن الأسر الدينية الشمالية، وهو أكثر شباباً منه ويمكن أن يدير البلاد بالتوافق مع سياسة "أوباسانجو" ومطامحه في أن يظل "أبا" لنيجيريا ما لم يكن رئيساً أبدياً... وكانت معركة طاحنة استعمل فيها المال والتحالفات السياسية والدينية الواسعة: ونفوذ العسكريين وصراعاتهم، مما يهدد البلاد بتفجير الصراعات التاريخية والمستحدثة في وقت ليس ببعيد. ما يقع على الخريطة الأفريقية الآن صراع متكرر بنفس الوتيرة -وإن بدرجات مختلفة– في كينيا وجنوب أفريقيا... كينيا تعيد إنتاج التجربة السنغالية، وجنوب أفريقيا تعيد إنتاج التجربة النيجيرية. في كينيا، يتكرر حلم العجوز "مواي كيباكي" المنتخب منذ عام 2002 باعتباره من زملاء "جومو كينياتا" والذي استطاع الإطاحة بالرئيس السابق "أرب موي"، وسلطته القبلية الفاسدة، وتنظيم تحالف واسع من منتديات وتجمعات ديمقراطية شعبية واسعة باسم "التحالف الوطني الموسع" المسمى "نارك" ليحقق العدالة والديمقراطية، وإذ به -بدوره – ينفرد بالسلطة، ويفكك التحالف، بل ويستعين بعناصر الفساد التي سقطت، ليدفع كل من عاونوه من قبل إلى معارضته بتشكيل "تحالف ديمقراطي" جديد باسم الحركة الديمقراطية البرتقالية O D M إشارة إلى ظروف صعودها مع الحركة البرتقالية في أوكرانيا وشرق أوروبا عموماً. ومن المتوقع أن تجرى الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 2007 في أجواء تنافس حاد بين تحالف خاص "بكيباكي" من جهة باعتباره "أباً" للأمة بديلاً لـ"كينياتا" جامعاً من بقي من القوى السياسية التقليدية، وبين تحالف نشط باسم "الحركة الديمقراطية البرتقالية" التي هزمته في استفتاء على الدستور عام 2005 عند محاولة "كيباكي" تأكيد سلطات إضافية لشخصه. لكن الصراع الدائر في أوساط هذه الحركة بين قيادات من أبناء الزعماء "كينياتا" و"أودنجا" وغيرهم من المثقفين الطموحين نحو السلطة بدورهم لا ينبئ بتغيرات جديدة، وخاصة أن هذه المعارضة التي اعتمدت على النغمات الأميركية من قبل حول الديمقراطية، تجد الأميركيين أكثر التفافاً حول "كيباكي" الآن لدوره في "الحرب على الإرهاب" ودعم النشاط الأميركي في المنطقة باسم منظمة "الإيجاد" بالنسبة للسودان والصومال والاتحاد الأفريقي على السواء. أما جنوب أفريقيا فتكرر النمط النيجيري من زاوية معينة بدورها. إذ يحاول الرئيس "تابو مبيكي" ضمان استمرار سلطته الشخصية على "حزب المؤتمر الوطني" وعلى الحكم نفسه في الانتخابات القادمة لرئاسة الحزب (2007) أو رئاسة الدولة (2009). ولأنه أسس لوضعه المريح في الحياة السياسية بعد "مانديلا" ليضمن بقاء شخصيته على رأس الحزب بسهولة، فقد أقلقه وضع نائبه "جاكوب زوما" صاحب النفوذ في الحزب واتحاد العمال المؤيد له فضلاً عن النواب في البرلمان، لذلك وقف بقوة في وجه ذلك المنافس عندما داهمته قضايا الفساد والانحراف الخلقي، مما وفر ظروف خلعه من موقعه كنائب رئيس الدولة، وإن لم يخلع بعد من وضعه كنائب رئيس للحزب، وهي المعركة التي سيتحدد فيها كثير من المصائر، ليس الشخصية فقط، ولكن مصير السياسة العامة لهذا البلد ذي الثقل الكبير في القارة، حيث يمضي به الرئيس "مبيكي" بشكل متسارع في طريق الليبرالية الجديدة من جهة، والتحالف القوى -رغم ذلك- مع عدد من دول الجنوب (البرازيل والهند...) من جهة أخرى، وهي المتطلعة إلى بنية استقلالية ذات وزن في إطار تكتلات العولمة.