في الأسبوع الماضي أدلى زعيم "حزب الله" اللبناني، "حسن نصر الله" بتصريح مهم أشاد فيه بإسرائيل بالنظر إلى التحقيق الذي أجرته حول الحرب ضد الحزب في العام الماضي، والذي خلص إلى اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت "بالفشل الذريع في إظهار حسن التقدير والمسؤولية والحذر". وقد نقلت "بي.بي.سي" عن "نصر الله" قوله "إن الإسرائيليين يدرسون هزيمتهم حتى يستفيدوا منها"، خلافاً للأنظمة العربية التي "لا تفحص ولا تطرح الأسئلة ولا تشكل لجاناً للتحقيق كما لو أن شيئاً لم يحدث". والواقع أن المرء لا يملك إلا أن يعجب بنزاهة السيد "حسن نصر الله"، غير أنه لم يكمل الطريق إلى نهايته، لأن القائد العربي الذي يحتاج إلى التمحيص أكثر من غيره هو "حسن نصر الله" نفسه. فقد بدأ حرباً مع إسرائيل كانت كارثة للطرفين معاً؛ وإذا ما شكلت جامعة الدول العربية لجنة نزيهة للتحقيق في الحرب، فإنها ستقول عنه ما يلي: في الثاني عشر من شهر يوليو 2006 قام مقاتلو "حزب الله"، بتوجيهات مباشرة من "حسن نصر الله"، بخطف جنديين إسرائيليين وقتل ثمانية آخرين في هجوم لم يأتِ نتيجة استفزاز مسبق داخل الحدود الإسرائيلية بذريعة إجراء تبادل للأسرى. هذا الهجوم أطلق حرباً انتهت بمقتل 1200 لبناني و160 إسرائيلياً، وبعدما قامت اللجنة المنبثقة عن الجامعة العربية باستجواب جميع الأطراف المعنية اتهمت "نصر الله" بالفشل الذريع في حسن التقدير وغياب المسؤولية وعدم توخي الحذر، وذلك للأسباب التالية: 1- لقد أظهر "حسن نصر الله" فشلاً واضحاً في توقع ردة الفعل الإسرائيلية على الهجوم. فقد افترض بأن إسرائيل ستقوم برد محدود على غرار المرات السابقة، فتبين أنه أخطأ في قراءة الظروف المستجدة داخل إسرائيل، لاسيما بعد أن تعرض جندي إسرائيلي آخر للخطف في قطاع غزة، بالإضافة إلى وجود قائد جديد لهيئة الأركان، فضلاً عن رئيس وزراء ووزير دفاع تسلما منصبيهما مؤخراً ويشعران بأن سمعتهما على المحك، وهو ما أطلق ردة الفعل الهائلة التي انخرطت فيها إسرائيل، وأدت إلى مقتل حوالى 1200 لبناني بسبب هذا الخطأ الجسيم في التقدير. 2- إنه بشن حرب أحادية ضد إسرائيل، وفي ظل غياب ترخيص من الحكومة اللبنانية التي يعتبر "حزب الله" عضواً فيها، تكون مليشياته قد ألحقت ضرراً بالغاً بالديمقراطية اللبنانية الهشة، فضلاً عن عملية الدمقرطة في العالم العربي. وبالتالي أكد "حزب الله" تلك المخاوف من أنه إذا مُنحت الأحزاب الإسلامية فرصة المشاركة في الحكومة، فإنها لن تحترم قواعد اللعبة. 3- لقد منحت إيران وسوريا صواريخها للحزب كعامل ردع لها، حيث كان "حزب الله" بمثابة ذراعها الطويلة للضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات سياسية وتهديدها في حال الهجوم على سوريا، أو إيران. لكن بإطلاق "حزب الله" لكل تلك الصواريخ على إسرائيل دون هدف استراتيجي محدد يكون قد قلص من قدراته بالإضافة إلى قدرات سوريا وإيران. ولم تعثر اللجنة على أي مكسب استراتيجي من وراء العملية التي قام بها الحزب. 4- عندما بدأت الحرب كان مقاتلو "حزب الله" يتحركون بالقرب من الحدود مع إسرائيل دون عراقيل، وهو ما شكل تهديداً فعلياً لإسرائيل. لكن وبسبب الحرب تم دفع "حزب الله" بعيداً عن الحدود ليستبدل مقاتلوه بقوات حفظ السلام تابعة للأمم المتحدة يبلغ قوامها 10 آلاف رجل، بما فيها وحدة عسكرية أوروبية تقودها فرنسا وإيطاليا. ورغم أن "حزب الله" مازال يحتفظ بمقاتليه في المنطقة، فإنه خسر بنيته العسكرية ولا يمكنه اليوم مهاجمة إسرائيل من دون الدخول في مواجهة مع فرنسا وإيطاليا، وهو ما يعد خسارة استراتيجية حقيقية لـ"حزب الله". 5- لقد سمحت إسرائيل لقواتها البرية بالتدهور بسبب استثماراتها الكبيرة في قدراتها الجوية لردع إيران ولتنفيذ عملياتها في الضفة الغربية. فجاء الهجوم الذي شنه "حزب الله" ليكشف مدى التردي الذي وصلت إليه القوات البرية الإسرائيلية، وهو ما دفع إسرائيل إلى الانكباب على تطوير قدراتها العسكرية. وإذا ما دارت حرب في المستقبل بين الجيوش العربية وإسرائيل، فإنهم سيواجهون قوة أفضل تدريباً وأحسن تجهيزاً من ذي قبل. 6- يدعي "حزب الله" أنه بتنفيذ ميلشياته لهجوم على إسرائيل، كان يخدم المصالح الأمنية للبنان. والواقع أن رد الفعل الإسرائيلي نجمت عنه أضرار تقدر بمليارات الدولارات لحقت بالبيوت اللبنانية، فضلاً عن المصانع والطرق، مع تركز الخسائر في المناطق الشيعية دون تحقيق أي مصلحة أمنية للبنان. وبينما كان يتعين على لبنان الاعتماد على الأعمال الخيرية العربية والإيرانية لإعادة بناء ما دُمر، لم تعانِ إسرائيل سوى من أضرار خفيفة وشهد اقتصادها بعد الحرب أعلى معدلات النمو بفضل الاستثمارات الأجنبية التي تدفقت على صناعتها التكنولوجية المتطورة. وباختصار قد يكون "حزب الله"، من خلال حربه مع إسرائيل، قد حظي بتعاطف شعبي واسع، لكن السؤال هو ماذا بعد؟ فاليوم وبعد أقل من سنة على الحرب التي وصفها "حزب الله" بأنها نصر "إلهي" مازال لبنان الأضعف في حين ظلت إسرائيل الأقوى، وهذا ما يهم في نهاية المطاف. ولهذا السبب، وإذا كان زعيم "حزب الله" يملك النزاهة، فإن عليه الاستقالة. توماس فريدمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"