لفتت نظري بشدة مقالة الكاتبة الأميركية ذات الأصول العربية "مورين داوود" في "النيويورك تايمز" يوم الاثنين، حيث تحمست الكاتبة لسقوط "سيجولين رويال" في الانتخابات الفرنسية الأخيرة، وعزت سقوطها لذاتيتها المتضخمة. وانطلاقاً من هذه النظرية، أطلقت الكاتبة عليها اسم "ايجولين" وليس "سيجولين" وهو الاسم الأول للسيدة رويال. والاسم الذي أطلقته مورين داوود هو تحريف لكلمة إنجليزية تعني من يعبد ذاته. الخبثاء من خصوم قضية المرأة قد يفسرون هذه الغبطة لسقوط السيدة رويال بأنه نموذج لمشاعر الغيرة التي تشيع بين النساء. لكن المسألة تغوص أعمق كثيراً في الثقافة السياسية السائدة، حتى بين الليبراليين في المجتمعات الغربية، وهي ثقافة لا تثق في قدرة النساء على تولي وظائف القيادة. ولذلك فأكثر المتحمسين لقضية المرأة هم من الرجال وليس النساء. وحتى تظهر إحصائيات دقيقة، يعتقد أن الفرنسيات لم يظهرن حماسة كافية لقيادة سيدة من طراز رويال لبلادهم. بل اشتدت الخصومة مع رويال بين قطاع واسع من النساء الفرنسيات ذوات التوجه المحافظ بل وبين النساء الشابات بالذات. وقد يفسر ذلك جزئياً سقوطها في تلك الانتخابات العجيبة وغير المسبوقة في بلاد موليير (المغرم بالسخرية من النساء في مسرحه الكوميدي وهو الأفضل في أوروبا القارية). وقد نقول في ذلك إن فرنسا تركت مهنة الثورة والتطلعات التقدمية إلى مهنة أخرى كانت الوجه الآخر لثقافتها الغامضة بامتياز، وهي مهنة الثورة المضادة أو الحنين لعصر النبلاء وأوليجارشية السياسيين الأذكياء والمتأنقين من طراز نيكولا ساركوزي. ومن هذا المنظور يمكن القول بأن سقوط رويال وقع بسبب فشل محاولة صنع أسطورة "سندريللا سياسية". لقد مكنتها هذه الأسطورة من خوض معركة انتخابية مختلفة كثيراً عن تجارب المرشحين السابقين للحزب الاشتراكي وخاصة فرانسوا ميتران. فالأخير لم يكن يختلف كثيراً عن منافسيه من المحافظين بل كان أشد منهم دهاءً. أما "رويال" فجاءت في الحقيقة من صفوف الشعب: سيدة بريئة وبعيدة عن خبث الساسة... لتطالب بالرئاسة "المقدسة". بل وتلخصت مطالبها في إشفاء الديمقراطية الفرنسية من مرض التقنين والمأسسة البيروقراطية عن طريق فتح أبواب وقنوات المشاركة المباشرة للمواطن البسيط. أقلقت هذه الرسالة زعماءها في الحزب "الاشتراكي"، ولذلك سلموا خصمها أهم الأسلحة في هذه المعركة، وهو سلاح الاتهام بعدم الخبرة والسذاجة السياسية. ويعزو بعض الخبراء سقوط رويال لموقف الجهاز الحزبي والسياسي الفرنسي منها والذي اتسم بالعدائية الشديدة. وتُعزز هذا القول نظرية تقول بأن النخبة تستطيع في أكثر الأحوال الدفاع عن مواقعها أمام تحدي الغرباء من خلال السيطرة على الأجهزة الحزبية. وينسب المراقبون الفرنسيون فشلها في الفوز بالرئاسة لقوة وتأثير الاتهام بعدم الخبرة، وهو أمر بالغ الغرابة. فالرئاسة ليست حكراً على أصحاب الخبرة. بل شهدنا عدداً كبيراً من الرؤساء وخاصة في الولايات المتحدة افتقروا للخبرة والتدريب في أجهزة الدولة والحزب وقادوا بلادهم بنجاح أكبر من الساسة المحترفين. لقد تمكن أنصارها من تمريرها بنجاح كبير في الانتخابات الحزبية وانتخابات الدورة الرئاسية الأولى عبر صنع أسطورة مضادة تماماً: أي أسطورة سندريللا. الخطأ الذي وقع فيه أنصار "رويال" هو أنهم لم يتوقفوا عن الاعتماد على هذه الأسطورة في الوقت المناسب أي في الفترة الفاصلة بين الدورتين الانتخابيتين الأولى والثانية والتي تمتد أسبوعين. فخلال هذه الفترة كان لابد أن تتغير الاستراتيجية الدعائية والانتخابية لـ"رويال". فان كان من الممكن أن يتحمس قطاع كبير من الفرنسيين لأسطورة سندريللا وصولاً إلى الدورة الرئاسية الأولى فإن قطاعاً أكبر كان يحتاج لشيء مختلف كثيراً وهو الشعور بقدرة هذه السيدة الغريبة عن البيروقراطية السياسية على تولي المسؤولية بكفاءة واقتدار، وهو أمر مفهوم تماماً بل كان يجب تقديره من جانب "رويال" وأقطاب وخبراء الحزب الاشتراكي. فكان لابد أن يمنحوها المعرفة الكافية بالموضوعات والملفات الكبيرة التي تقلق الفرنسيين وعلى رأسها الملف الاقتصادي. ومن المذهل أنها ظهرت في المناظرة التليفزيونية بنفس الصورة التي أطّرتها لنفسها طوال الحملة الانتخابية: أي سندريللا وليست سيدة دولة تعرف ملفاتها جيداً ولديها المهارة والاقتدار على إدراتها. ومن ثم لم تتغير الصورة والاستراتيجية الانتخابية في الوقت المناسب وخاصة أثناء المناظرة التلفزيونية، حيث كررت نفسها وأتاحت لساركوزي، وهو داهية السياسة الفرنسية، اصطيادها وحبسها في القفص: أي في صورة سيدة تصلح للمعارضة وليس للحكم. وفيما وراء الاستراتيجية الانتخابية، على أهميتها، فإن برنامج وشعارات رويال لم تكن أكثر من تكرار- وإن بشكل طازج- لرؤية اليسار الأوروبي والفرنسي بالذات؛ أي الرؤية التي تركز بصورة أحادية على العدالة التوزيعية. وكان الفرنسيون مشغولين أيضاً بمشكلة أكثر شمولاً وهي مشكلة توقف فرنسا عن النمو الاقتصادي وعن المتابعة الاستراتيجية للتجديدات في هياكل الدولة والاقتصاد. فخلال العقد الماضي لم ينم الاقتصاد الفرنسي بمعدل يصل حتى إلى 2% في المتوسط، وهو معدل ضئيل مقارنة بالولايات المتحدة وأقل قليلا من المعدلات الأوروبية بل ويبعد بمسافة كبيرة عن معدلات النمو المحققة في بريطانيا. والواقع أن الركود ميز الاقتصاد الأوروبي كله وخاصة الاقتصاد الألماني. لكن الفرنسيين شعروا بأن ألمانيا كانت تنجز مهمة كبرى وحققت فيها الكثير وإن على حساب النمو، وهو استيعاب اقتصاد ومجتمع ألمانيا الشرقية. فإن كان هناك عذر لألمانيا، فليس لفرنسا أعذار مشابهة. وعد ساركوزي الفرنسيين بالتحديث الاقتصادي وحاول أن يؤكد لهم أنهم يمكن أن يعيشوا أفضل مع التحديث الاقتصادي حتى لو ضحوا بالعدالة وبمعايير العمل العادلة. وكان على "رويال" أن تؤكد لهم أن العدالة التوزيعية وانتهاج أفضل المعايير الإنسانية وخاصة فيما يتعلق بالعمل، يمكن أن يتوازى مع أو يعزز التحديث. لكن "رويال" أهملت التحديث كلية تقريباً. ويعني ذلك أنها أهملت أهم سؤال تواجهه فرنسا كأمة؛ وهو لماذا توقفت عن النمو الاقتصادي والتجديد المؤسسي. يشغل هذا السؤال كل فرنسا: يشغلها كأمة (مثلما ينبغي أن يشغلنا كأمة عربية!) أما سؤال العدالة فيشغل القطاع الأقل حظاً من الفرنسيين: يشغله كطبقة. وبينما نجحت رويال في مخاطبة هذا القطاع فإنها لم تنجح في مخاطبة الأمة الفرنسية: وهو خطأ كبير كلفها السقوط في انتخابات الدورة الثانية. فعندما تكون الأمة كلها ممسوسة بسؤال رئيسي ويتجاهله المرشحون للسلطة العليا في الدولة لصالح موضوع آخر، يصبح النجاح الانتخابي والسياسي عامة، مجرد صدفة. وياليتنا نحن العرب ندرك هذه الحقيقة بدورنا. وضاعف من فشل "رويال"، وخاصة في المناظرة التلفزيونية، أن الطبقة الوسطى الفرنسية، بما في ذلك الطبقة الوسطى الدنيا، بدأت تشعر أن التركيز على العدالة مقابل إهمال تجديد حيوية فرنسا وتحديثها صار يعني "تدليل" الأجانب والمهاجرين على حساب فرنسا. وكان يجب على "رويال" أن تمتلك الشجاعة لطرح هذه القضية بوضوح وبصورة معتدلة وقابلة للترويج بين هؤلاء الذين يشعرون أن بلادهم صارت بلداً للأجانب على حسابهم! وعلى العكس، اتخذ ساركوزي هذا الموقف بوضوح، وإن على حساب تكثيف التعصب القومي الفرنسي وهو ما يجعله من أسوأ الساسة في "اليمين" الفرنسي تاريخياً أو على الأقل مقارنة بديجول.