بادئ ذي بدء أود أن أوضح أنني أؤمن بجدوى التجارة الحرة من قمة رأسي إلى أخمص قدمي؛ والحال أن العديد من زملائي أصبحوا يعاملونني مؤخراً كما لو كنت منشقاً أو متمرداً. أما السبب، فيعزى إلى أنني توقعت أن يطرح تصديرُ الوظائف الخدماتية من البلدان الغنية، مثل الولايات المتحدة، إلى البلدان الفقيرة، مثل الهند، مشاكلَ كبيرة بالنسبة لملايين العمال الأميركيين خلال العقود المقبلة؛ إذ أعتقد أن نقل أنشطة الشركات إلى الخارج بسبب انخفاض الكلفة هناك سيشكل أكبر موضوع سياسي في الاقتصاد مستقبلاً. عندما أرددُ هذا الكلام، يتميز رد فعل العديد من زملائي ممن يؤمنون بجدوى التجارة الحرة، بنوع من عدم التصديق والشفقة والعداء: بلايندار، هل فقدت عقلك؟! (الجواب: لا أعتقد ذلك). هل نسيت الفوائد الاقتصادية للتجارة الحرة؟ (الجواب: كلا). هل تدعو إلى شكل من أشكال الحمائية؟ (الجواب: بالطبع، لا!). ألا تسدي بذلك خدمةً لأعداء التجارة الحرة؟ (الجواب: لا، بل أحاول إنقاذ التجارة الحرة من نفسها). إن سبب ما يعتبره البعض انشقاقاً من جانبي هو أن طبيعة التجارة الدولية تتغير أمام أعيننا؛ فقد كنا نعتقد في الماضي أن العناصر القابلة للتجارة هي فقط تلك التي نستطيع وضعها في صندوق وشحنها. غير أن ذلك لم يعد صحيحاً؛ إذ بات بالإمكان اليوم إرسال قائمة خدمات إلى الخارج بطريقة إلكترونية. فالإلكترونات هي التي تتنقل اليوم، وليست الصناديق. وقد امتد التوصيل الإلكتروني للخدمات ليشمل البرمجة الحاسوبية، وعدداً من الخدمات الهندسية، والمحاسبة، والتحليل الأمني، وأمورا أخرى كثيرة. ثم إن الكثير مازال في الطريق. أقول الكثير لأن قوتين تاريخيتين تقفان وراء هذه التغيرات، بات من المؤكد أنهما تنموان بسرعة مع مرور الوقت. أما الأولى، فهي التكنولوجيا، وبخاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال التي تطورت بوتيرة سريعة خلال العقود الأخيرة. وبحكم التطور المتواصل للتكنولوجيا، سيحدث تطورٌ مماثل في جودة وسائل الاتصال المعروفة اليوم (مثل الهاتف، والفيديو كونفرانس، والإنترنت)، واختراعُ وسائل جديدة للاتصال. ونتيجة لذلك، سيصبح من الممكن القيام بمجموعة كبيرة من الخدمات بطريقة إلكترونية انطلاقاً من أماكن أخرى بعيدة في العالم. ويتمثل الدافع الثاني في دخول نحو 1.5 مليار عامل "جديد" إلى الاقتصاد العالمي. بطبيعة الحال، هؤلاء الناس ليسوا جديدين، ولكنهم يعيشون في أماكن مثل الصين والهند والكتلة السوفييتية السابقة –وهي بلدان كانت تقف خارج الاقتصاد العالمي. قد يقول قائل: "حسناً، ولكن معظم هؤلاء العمال هم من أصحاب المهارات "المتدنية"". أما جوابي، فهو كالتالي: أولاً، حتى إذا سلمنا بأن نسبة صغيرة فقط من أصل 1.5 مليار شخص هي التي تتوفر على مهارات عالية، فإن عددهم مع ذلك سيكون كبيراً؛ ثم إنه مما لا شك فيه أن الهند والصين ستقومان بتعليم وتدريب مئات الملايين في العقود المقبلة. ونتيجة لذلك، سيكون ثمة الكثير من الأشخاص المستعدين والمؤهلين للقيام بالوظائف التي ستنقلها التكنولوجيا. إذا نظرنا إلى هاتين القوتين التاريخيتين من وجهة نظر العالم، لا يسع المرء إلى أن يشعر بالارتياح؛ ذلك أن تطور التكنولوجيا سيؤدي إلى رفع مستوى المعيشة، تماماً مثلما فعل منذ الثورة الصناعية. كما أن من شأن توفر ملايين الوظائف الخدماتية الجديدة التي يمكن القيام بها إلكترونياً، في الهند والصين مثلاً، أن يساهم في التخفيف من وطأة الفقر على نطاق واسع. ثم إن تصدير الوظائف سيؤدي أيضاً إلى خفض الكلفة ورفع الإنتاجية في الولايات المتحدة. غير أنني أود أن ألفت إلى أن ثمة شيئاً جديداً بخصوص الانتقال المقبل إلى تصدير الوظائف الخدماتية؛ ذلك أن هذين الدافعين القويين اللذين سبقت الإشارة إليهما –التطور التكنولوجي، وصعود الصين والهند- يشيران إلى أن هذا الانتقال سيكون كبيراً وطويلاً ومؤلماً. فهو سيكون طويلاً لأن تكنولوجيا نقل المعلومات عبر العالم ستواصل تطورها على مدى عقود، ما لم يكن للأبد. وعليه، فالأمر لن يمثل مشكلة عابرة بالنسبة للأشخاص الذين يكسبون قوت يومهم عبر القيام بمهام تؤدى إلكترونياً. كما سيكون كبيراً؛ حيث توصلت، في أحد البحوث الأخيرة، إلى أن ما بين 30 مليونا و40 مليون وظيفة أميركية قابلة للتصدير إلى الخارج. وتشمل أعمال العلماء والمتخصصين في الرياضيات، والمحررين الصحفيين؛ إضافة إلى عمال البدالة، والطباعين. ثم إنه سيكون مؤلماً لأن بلدنا لا يتوفر على شبكة قوية للسلامة الاجتماعية، قادرة على امتصاص الضربات التي قد يتعرض لها العمال. كما أن برنامج تأمين البطالة في بلدنا شحيح مقارنة مع بلدان العالم الأول؛ ذلك أن العمال الأميركيين الذين يفقدون وظائفهم كثيراً ما يفقدون معها أيضاً حقوق التأمين الصحي والتقاعد. ورغم أن العديد من العمال سيضطرون إلى تغيير مهنهم، فإن قلة محظوظة فقط منهم هي التي ستحظى بفرصة إعادة التدريب. وعليه يجب تغيير كل هذه الأمور. ماذا ينبغي فعله؟ الأمر المؤكد هو أن حماية التجارة لن تنجح؛ ذلك أن المرء لا يستطيع منع الإلكترونات من عبور الحدود الدولية. ولأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تنافس غيرها من البلدان على مستوى الأسعار، فعلينا أن نشدد على أهمية الأمور التي أوصلتنا إلى رأس السلسلة الغذائية الاقتصادية لمدة طويلة، ألا وهي التكنولوجيا، والابتكار، وروح المقاولة، والتأقلم... ما يعني اهتماماً أكبر بالعلوم والهندسة، وإنفاقاً أكبر على البحث والتطوير، والحفاظ على زخم أسواقنا المالية ونشاطها. آلان بلايندار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة برينستون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"