يبذل وزراء العمل في دول مجلس التعاون، ومنذ فترة طويلة جهوداً جادة تهدف إلى تكامل سوق العمل الخليجي والاستفادة من الإمكانيات والطاقات البشرية المتوفرة في دول المجلس من خلال تشجيع انتقال الكفاءات والأيدي العاملة الخليجية، لسد النقص في بعض دول المجلس من جهة، والتخفيف من حدة الفائض من الأيدي العاملة في البلدان الأخرى. وحتى الآن، فإن نتائج هذه المساعي تبدو متواضعة، وذلك لأسباب عديدة تكمن في طبيعة هذه القرارات من جهة، وفي هيكلية سوق العمل الخليجي من جهة أخرى، ففيما يتعلق بالقرارات المشار إليها فإنها بحاجة للمزيد من الإجراءات التي تشجع على انتقال الأيدي العاملة الخليجية بين الدول الست. في هذا الصدد، هناك الأيدي العاملة الماهرة والكفاءات الخليجية، والتي تتقارب معدلات أجورها بصورة كبيرة في كافة دول المجلس، وإذا ما أخذنا الخليجيين العاملين في القطاع المصرفي، فإننا سنجد أن رواتبهم متقاربة إلى حد بعيد، مما لا يوفر إمكانيات حقيقية أمام الانتقال في ظل غياب وسائل التشجيع الأخرى. أما الأيدي الخليجية العاملة غير الماهرة، فإن قدرتها على الانتقال محدودة للغاية، فالرواتب والأجور المتاحة لها تستهلك من خلال الإيجارات وأسعار الخدمات، والتي تتوفر في بلدانها الأصلية، إما من خلال السكن العائلي أو من خلال الدولة، مما يحد من إمكانية تنقلها بين بلدان المجلس. الجانب الآخر من هذه القضية، يتعلق بهيكلية سوق العمل الخليجي، وهنا يمكن الإشارة إلى أن هناك تفاوتاً بين متطلبات سوق العمل ومخرجات التأهيل، كما أن هناك مجالات عمل يعزف الخليجيون عنها لأسباب اجتماعية ومادية. إذن إمكانيات انتقال الأيدي العاملة الخليجية فيما بين دول المجلس تعتبر محدودة في ظل المعطيات الحالية، والتي هي بحاجة لحوافز عديدة لتشجيعها على الانتقال، فالتشريعات والقوانين وحدها لا تؤدي إلى هذه النتيجة، فقطر وعُمان على سبيل المثال وقعتا على اتفاقية قبل خمس سنوات تقريباً لتشغيل الأيدي العاملة العُمانية في دولة قطر، ومع ذلك اقتصرت عملية الانتقال على أعداد محدودة للغاية، كما أنه من غير المحتمل أن يؤدي الجسر المزمع إقامته بين البحرين وقطر إلى انتقال الأيدي العاملة البحرينية بكثافة للعمل في قطر للأسباب ذاتها. هناك جانبان لهذا التوجه المهم، فالأنظمة والتشريعات لابد وأن ترافقها حوافز وتشجيع ضمن ما يسمى بتحرير سوق العمل والمواطنة الخليجية، وإذا ما أخذنا تطبيق أنظمة التقاعد والتأمينات الاجتماعية والذي تم الأخذ به مؤخراً، كمثال، فإن آلية تنفيذه تتطلب المرور بإجراءات عديدة وطويلة، وهو ما أدى إلى التقليل من فعاليته. من هنا نجد أن الإحصائيات التي نشرت في كافة دول المجلس في بداية العام الجاري، بما فيها إحصائيات الأمانة العامة، أشارت إلى محدودية أعداد الخليجيين العاملين في غير بلدانهم، في الوقت الذي توجد فيه كفاءات على درجة عالية من الخبرة والدراية في مجال تخصصها، إذ ليس بالضرورة أن يكون الدافع محدودية فرص العمل في هذا البلد الخليجي أو ذاك، بل إن انتقال الخبرات والاستفادة منها مسألة ضرورية للتنمية في دول المجلس، خصوصاً وأن بيئة العمل الخليجية متشابهة إلى حد التطابق. لقد أدى ارتفاع أسعار النفط في السنوات الثلاث الماضية إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية وانتعاشها في كافة دول المجلس، بحيث انخفض معدل البطالة في عُمان، كما انخفض في البحرين من 11% تقريباً إلى 3.5%، وهي نسبة متدنية حتى إذا ما قورنت بنسب البطالة في البلدان الأوروبية. المواطنون في كافة دول المجلس يتمتعون بأفضليات في الخدمات التعليمية والصحية والقروض الإسكانية والترقي الوظيفي، والتي ربما يفتقدونها أثناء عملية الانتقال بين بلد خليجي وآخر. وزراء العمل يبذلون جهوداً كبيرة ومخلصة، إلا أن الأوضاع المستجدة تتطلب وضع أسس للجمع بين القرارات المتخذة وإجراءات تشجيع انتقال الأيدي العاملة بين دول المجلس، ليس من منطلق توفير فرص العمل فحسب، وإنما من منطلقات تنموية تهدف إلى تكامل سوق العمل الخليجي والاستفادة من الكفاءات والمؤهلات المحلية، من خلال انتقالها بين دول المجلس، مما سينعكس إيجابياً على تنمية الاقتصاديات الخليجية ككل.