تتعاظم إشكالية العرب عمقاً وسطحاً، وثمة حالة من الأسى وربما كذلك اليأس تجتاح الناس تجاه ما يجري في العراق وفلسطين ولبنان ومصر وسوريا والسودان. في هذا وذاك وذلك من الأحداث، تمر نيازك في سماء العالم العربي، تدعو إلى فتح ملف الحرية والديمقراطية والحداثة -وهي مستعدة للتضحية في سبيله. من هذه النيازك يبرز العلامة والمناضل الشهيد عبدالحميد الزهراوي، فهذا الرجل كان يدرك بعمق المسؤولية التاريخية وبوعي "المثقف الجمعي" الذي اقترب هو من تحديده اصطلاحياً، أو "المثقف العضوي" الذي تحدث عنه المفكر الإيطالي "جرامشي". بهذا الوعي كان "الزهراوي" يدرك أن الحياة موقف، خصوصاً في لحظة يمكن أن تعادل عمراً بكامله. ففي سبيل صدقية الحقيقة وشفافيتها، قدم نفسه شهيداً بحبل المشنقة، الذي اعتصر حياته في ساحة الشهداء في بيروت، وذلك على أيدي طغاة أتراك حاولوا إيقاف التاريخ العربي عند نقطة الصفر. وكان ذلك في يوم السادس من مايو من عام 1916، الذي دخل التاريخ بمثابته يوم موت أصبح يوم حياة جديدة، مع الإشارة إلى أن الشهداء الذين شنقوا مع "الزهراوي" مثلوا موزاييكاً بديعاً من التعددية الدينية والمذهبية والطائفية، مما جعل من يوم استشهادهم يوماً وطنياً فعلياً. أما ما كان "الزهراوي" قد أسّس له وأصبح هو نفسه تجلياً له، فقد أفصح عن نفسه في جدلية الحكمة والفعل، أو في ما حدّده بحدَّي "انتباهه عين الحكمة" و"انتباهه عين العزم"، أي بحدَّي النظر العقلي والفعل الحازم. (ضمن أعماله التي جمعها جودة الركابي وجميل سلطان بعنوان: الإرث الفكري للمصلح الاجتماعي عبدالحميد الزهراوي- دمشق 1963). ورغم العمر القصير الذي عاشه الرجل (من 1871 إلى 1916)، فإنه أنتج ما يقترب من مشروع إصلاحي لبلد أو وطن خرج لتوّه من حمأة الاستبداد متجهاً نحو حياة دستورية أولية، لكن كما الاستبداد السلطاني، يبرز كذلك الاستبداد "الدستوري"، لينهي مشروع الزهراوي المعنِي بإنهاء حياته. انطلق "الزهراوي" من مفهوم "الروح العمومية أو الجمعية" معتبراً ذلك بمثابة روح الشعب أو الأمة، وذلك بهدف الوصول إلى الغايات الكبرى في الحياة الدستورية وفي الحرية والمساواة والتقدم، وقبل كل شيء في التوحُّد الوطني. ولعله تأثر في ذلك بمجموعة من الفلاسفة العرب والأوروبيين، من أمثال الفارابي وابن رشد، وكذلك "مونتسكيو" و"روسو". وتلك الروح العمومية أو الجمعية إذا ما تفككت وتفسخت بفعل داخلي أو خارجي أو كليهما، فـإن "الإصلاح - التحسين" يغدو ضرورة وطنية على المصلحين أن يكتشفوها ويضعوا تحقيقها موضع الهدف الأسمى. ذلك لأن استباحة تلك الروح على أيدي الأتراك السلاطين والاتحاديين لابد من الوقوف في وجهها عبر إعادة بناء تلك الأخيرة، في ضوء تطوير (تحسين) الحاضر واستلهام الماضي استلهامَ الوهج لا الرماد. ومن الملفت أن "الزهراوي" يولي أهمية مركزية لـ"التربية السياسية" بالتوازي مع التجديد في الحقل الديني والثقافي العمومي. وهو يرى أن هذه التربية تقع "في الدرجة الأولى على عاتق الجمعيات العمومية"، التي هي جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، وهذا من شأنه كذلك، أن يُنتج حراكاً سياسياً وثقافياً عمومياً يُفضي إلى طرح أسئلة مهمة، كأسئلة النهوض والتنوير والتطور، وهو في سبيل ذلك، يساجل جموعاً من الفقهاء، الذين يعلنون أن ما فعلوه هم من تأليف وتعليم "يكفي لزماننا ويُغنينا عن غيره". لقد شغلت تلك المسألة المفكر الشهيد، فانطلق -ضمناً وإفصاحاً- من" أن أولئك رجال، ومن أننا كذلك نحن رجال"، مستلهماً، بذلك، ما قدمه رهط من العاملين المستنيرين في الحقل الديني ومن مجموعة من المفكرين المدنيين (العقلانيين المنطلقين من العقل العقلي). وتابع فكرته هذه بالقول إن الكثير مما قدمه فقهاء معنيون لم يكن متوافقاً مع احتياجات البشر، أو أنه أصبح غير ذلك، مما يشي بضرورة التفكير العقلي التجديدي ضمن الدين وخارجه، وعلى نحو يستجيب للتطور التاريخي بمختلف حقوله. وثمة فكرة مهمة وطريفة بالاعتبار "السوسيوثقافي" وبضوء علم تاريخ الدين وعلم الاجتماع الديني، وتقوم على أن الاختلاف الديني، الذي يظهر بين مجموعات دينية في مجتمع واحد أو بين مجتمع وآخر، إنما هو أمر قديم عريق، ولكن هذا الاختلاف لم ينتج بالضرورة صراعات بين الأطراف المذكورة. وهذه الفكرة التي يطرحها عبدالحميد الزهراوي يتابعها، مدقِّقاً ومعمقاً إذ يقول: وإذا لاحظنا أثراً فظيعاً للاختلاف الديني فمردّه إلى الاختلاف السياسي. في ذلك الموقف التنويري والسوسيولوجي الوطني، تتضح معالم تأسيسية في فكر "الزهراوي"، قد تكون التالية في مقدمتها: إن "الصراعات الدينية" التي يجري تسويقها في كثير من الأدبيات الدينية والسياسية الأيديولوجية، إنما هي نمط من الإيهام الإيديولوجي، الذي يحتاجه سياسيون في البنية السياسية المهيمنة خصوصاً، ورجال دين يسعون إلى تسييس الدين وفق متطلبات مصالح مجتمعية معينة.