قرأت ما أمكنني الوصول إليه من أعمال مؤتمري العهد الدولي ودول جوار العراق اللذين عقدا بمدينة شرم الشيخ المصرية يومي الثالث والرابع من الشهر الحالي. تخيلت بعدها أن مخلوقاً قادماً من كوكب آخر غير كوكب الأرض يجيد العربية ويفهم في السياسة، فماذا تراه سيفهم من كل ما يقرؤه من خطب وتصريحات ومناقشات واجتماعات جانبية وبيانات ختامية بخصوص الوضع في العراق؟ لاشك أن هذا المخلوق سيتصور على الفور أن العراق قد ابتلي بحرب أهلية طاحنة نشبت لاعتبارات مذهبية وطائفية، وربما بسبب بعض مشاعر الظلم الاجتماعي الناجمة عن سوء توزيع الثروة بين أبنائه وأقاليمه. سرعان ما سيتصور أيضاً أن هذه الحرب الأهلية تغذيها عناصر إرهابية تتسلل إلى العراق عبر حدوده الدولية، وأن العراق لا يمتلك جيشاً قوياً قادراً على مواجهة محنة الحرب الأهلية، ولذلك يبدو أن ثمة وجوداً لقوات دولية تساعده على الخروج من محنته هذه، إلى أن يتم العراق مهمة بناء مثل هذا الجيش. ولابد أن محنة الحرب الأهلية قد أدت إلى تردٍّ بالغ في الأوضاع الاقتصادية العراقية بدليل كل هذا التركيز في المؤتمرين المذكورين على إسقاط الديون التي تحمل بها الحكومة العراقية تجاه الدول الأخرى، بل وتقديم مساعدات اقتصادية لها. ولاشك أنه سيعتقد أيضاً أن الخروج من محنة الحرب الأهلية يضع المصالحة الوطنية في صدارة الأهداف التي تجمع عليها الحكومة العراقية، وكذلك الدول المشاركة في المؤتمرين. يتسق مع التصور السابق الذي سيتوصل إليه صاحبنا القادم من كوكب آخر مضمون البيان الختامي الصادر عن مؤتمر دول الجوار، بل إن هذا البيان قد يصيب صاحبنا بحيرة فيما توصل إليه من استنتاج حول وجود قوات دولية تساعد الجيش العراقي في مواجهة محنة الإرهاب، فالبيان يخلو من أية إشارة لهذه القوات، ويكتفي بأن يعيد التأكيد على سيادة العراق ووحدة أراضيه واستقلاله السياسي، ويساند حكومته ويشيد بها، ويدين الإرهاب ويشدد على تأكيد الالتزام بمواجهته، ويطالب بالتعامل مع الطائفية ونزع سلاح جميع الميليشيات وتفكيكها، ومساعدة الحكومة العراقية في بناء قوات الدفاع والأمن، ومراجعة الدستور، ويقر مسؤولية المجتمع الدولي عن مشكلة اللاجئين، بالإضافة إلى بعض الصياغات الشكلية الإجرائية والبروتوكولية الأخرى. وحتى الاقتراح الإيجابي الذي قدمته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في مؤتمر العهد الدولي بضرورة إشراك كافة الأطراف في إيجاد حل سلمي للمعضلة العراقية بما فيها المعارضة الوطنية التي تحمل السلاح لن يربك المخلوق القادم من كوكب آخر، لأنه سيتصور أن الجامعة تتحدث عن فصيل في الحرب الأهلية العراقية. قد تربكه قليلاً مطالبة الجامعة "القوى الأجنبية في العراق بتحديد الأفق المطلوب لجلائها والإسراع في تأهيل القوات الوطنية العراقية لتحل محلها"، لكنه قد لا يجد في هذا تعارضاً مع الاعتقاد بأن هذه القوات قد جاءت لإنقاذ العراق من حربه الأهلية. لكن كلمة وزير الخارجية الإيراني في مؤتمر دول الجوار ستصيب صاحبنا القادم من خارج الأرض بارتباك يعتد به، فقد تكلم الرجل عن مفهوم بدا شاذاً عن السياق العام للمؤتمرين هو مفهوم الاحتلال، وبيّنَ كيف أن الإرهابيين يزعمون أنهم يحاربون الاحتلال، والمحتلون بدورهم يبررون وجودهم بذريعة الحرب على الإرهاب، واعتبر أن محور الإرهاب- الاحتلال هو أصل المشاكل، وأن أصل الأزمة يكمن في استمرار الاحتلال. سيتوقف صاحبنا عند هذا المعنى، ويبدأ في التنقيب عن أصل الحكاية، ولأنه يفهم في السياسة فسيعرف أن معظم ما قيل في شرم الشيخ يبدو مفارقاً للواقع، وربما يصل صاحبنا إلى فهم سليم للموقف في العراق، وقد يرافقه في رحلته إلى هذا الفهم شعور بالإعجاب بالموقف الإيراني سرعان ما يتبدد بدوره، لأنه سوف يكتشف أن المسئول الوحيد في شرم الشيخ الذي أشار إلى جوهر الموضوع لم يفعل ذلك لأنه ضد الاحتلال من الناحية العملية، وإنما من باب الاتفاق مع الخطاب السياسي لدولته. لا تستطيع إيران "الثورة" بطبيعة الحال أن ترحب باحتلال تفرضه الإدارة الأميركية على شعب العراق، ولكنها تكتفي بقدر منضبط من التشهير اللفظي به، وتتبع استراتيجية سياسية بالغة الذكاء جعلتها صاحبة نفوذ حقيقي في العراق إن لم تكن صاحبة النفوذ الحقيقي هناك، ولعل هذا هو السبب في أن وزير خارجية إيران قد دعا "الكل" في مؤتمر العهد الدولي إلى "رفع أيديهم عن العراق" تماماً كما تطالب الإدارة الأميركية الآخرين بعدم التدخل في الشؤون العراقية، وهي متورطة من قمة رأسها إلى أخمص قدمها في احتلال العراق وانتهاك سيادته وليس مجرد التدخل في شؤونه. ولو أن صاحبنا تعمق قليلاً في بحثه ووصل إلى أصل الورقة المقدمة من إيران في شرم الشيخ لانقلب شعوره بالإعجاب تجاه السياسة الإيرانية إلى إحباط أكيد، فسيكتشف أن المطالب "العملية" الإيرانية لم تختلف عن غيرها، فالورقة الإيرانية تطالب ببرنامج محدد "لانسحاب القوات الأميركية والبريطانية"، ولكن هذا الانسحاب وفقاً للورقة يكون من المدن على أن تتجمع القوات في قواعد ومعسكرات داخل العراق! "على أن يلي ذلك تسليم القوات والأجهزة العراقية مهمة الأمن وفرض القانون بعد تعزيز قدرات هذه القوات"، وهو المنطق نفسه الذي ساد مؤتمري شرم الشيخ. يلاحظ أن الورقة الإيرانية لم تشر إلى مصير قوات الاحتلال التي ستتجمع في قواعد ومعسكرات داخل العراق! كما أنها تتطابق حتى مع الموقف الأميركي القائم على فكرة البقاء إلى حين تكوين الجيش العراقي وتقويته. سينقلب الإحباط لدى صاحبنا غماً عندما يجد الورقة الإيرانية في بندها الثاني تنص على "رفض أي انسحاب غير مبرمج للقوات الأجنبية خوفاً من أن يؤدي هذا الأمر إلى إعادة خلط الأوراق وتوزيع السلطة"، ثم تتوالى بنود الورقة متسقة كل الاتساق مع روحية المؤتمرين ومواقف أطرافهما. لهذه الأسباب كلها لن يفضي مؤتمرا شرم الشيخ لخطوات أبعد من كتابة قراراتهما على الورق. قد تسقط ديون هنا، أو تقدم مساعدات هناك، لكن جوهر المعضلة سيبقى قائماً ألا وهو الاحتلال، وأي محاولة للالتفاف عليه أو ادعاء نسيانه لن ينتج عنها سوى مزيد من الإخفاق، وهذه هي أبجديات حل الصراعات: إن أردت حلاً سياسياً لصراع ما فأشرك أطرافه كافة في جميع خطوات هذا الحل، ولأن هذا من قبيل البديهيات يحسن بنا أن نتذكر أن مؤتمر شرم الشيخ ليس هو الأول من نوعه بخصوص العراق، فقد عقدت قبله مؤتمرات عديدة اتبعت النهج نفسه: وضع العربة أمام الحصان، ولذلك تبخرت نتائجها بعيداً دون أن تحدث أي تأثير فيما يجري داخل العراق، ولا يبدو أن مؤتمري شرم الشيخ يحملان جديداً يجعل مصيرهما مختلفاً عن سابقيهما، فطالما أن القوى المعارضة للاحتلال الأميركي للعراق قد غابت عن المؤتمرين كما غابت عما سبقهما من مؤتمرات فستبقى المعضلة العراقية تراوح في مكانها، إلى أن تتغير الموازين بشكل أو بآخر لصالح هذه القوى، وتجبر القوات الأميركية على الانسحاب، لكي يبدأ أبناء العراق المخلصون بعد ذلك في مواجهة المهمة الشاقة لإعادة بناء ما أفسده احتلال جائر.