يجب أن نعلم أن "باولو فريري" مفكر برازيلي (1921ــ 1997) يتبوأ مكانة بارزة في مجال التربية والتعليم على المستوى العالمي. تميز باختبار مقولاته النظرية من خلال الممارسة في جدل خلاّق تتحاور فيه النظرية بالتطبيق (نقلاً عن د. محسن خضر: باولو فريري: فيلسوف الحرية في العالم الثالث. مجلة العربي, إبريل 2007). يقول هذا المفكر الفذ في المسألة التعليمية في العالم الثالث ما نصه: "التعليم لا يكون محايداً. إما أن يكون تعليماً للحرية أو تعليماً للاستعباد". وفي كتابه "الأخلاق والديمقراطية والشجاعة المدنية" يقدم للمسؤولين عن التربية وصفة لتحقيق "تربية الحرية", حيث يرفض فريري "كل توجه نحو امتلاك الحقيقة المطلقة", وهو حين يطرح "تربية الحرية" , إنما يسعى للقضاء على "تربية المقهورين" القائمة على "ثقافة الصمت" التي تتحصل للمتعلم من خلال: الجهل أو التعليم, ثم النظام الاجتماعي. وينطلق هذا المفكر الإنساني العظيم في صياغة نظريته من مقولة الروائي الروسي الكبير تولستوي "الحرية شرط كل تعليم حقيقي". فأين نحن العرب من هذا كله؟ ألا يفسر لنا تولستوي وفريري سر تخلف التعليم عندنا, وأنه لن تقوم له قائمة ولن يصلح حاله, وأنه لن يتطور حتى يتخذ الحرية منهجاً في التعليم. المنهج التعليمي الذي نسميه خطأ بالتربوي في مدارسنا العربية هو "التعليم التلقيني"، وهو نمط من التعليم يقوم على تعليم القهر البعيد عن أسلوب الحوار بين المعلم والمتعلم. وأنه ما دام هذا الأسلوب هو السائد في مدارسنا ستظل الجامعات العربية خارج كل قوائم التعليم الجامعي الناجح. فالحوار الناقد, وفقاً لفريري "هو مفتاح التغيير", وبالتالي فإن وظيفة التربية تتمثل في "تنمية النقد والحوار, وتدريب الوعي الناقد, لأنه يسلم بأن عقل الإنسان قادر على كشف الحقيقة". هذا هو سر تخلفنا عن الركب الحضاري المعاصر: "ثقافة الصمت" التي تغلف كل نواحي حياتنا البائسة. الصمت على الظلم, والاستبداد في المدرسة والجامعة والمؤسسة. الصمت الذي نتستر به لتغطية حقدنا على النظام السياسي, والذي نلوذ به لتجنب الأذى, بالمشي جنب الحائط, وكف اللسان عن الجهر بالحقيقة, لأن لسانك حصانك, إن صنته صانك, وإن هنته هانك!! وأن تحرص على أن تروح بعيداً لكي تظل سالماً. إنها ثقافة لا تولد سوى الاستعباد, لا الحرية. كل فرد يمنع نفسه من قول الحقيقة إلا إذا اطمأن على أن "الدار أمان", وبئس أمان يقوم على الخوف. وكل طالب يردد كالببغاء ما يردده المدرس المضطر للالتزام بالمنهج ولو كان خاطئاً, حتى لا يفقد لقمة العيش. الكل يستبد بالكل. النظام بالأفراد, والمدرس بالطالب, والمسؤول بالموظف, وسلسلة طويلة لا تنتهي من الاستبداد تتولد عنها ثقافة الصمت والخوف... ومن ثم التخلف عن ركب التعليم. المفكر البرازيلي "باولو فريري" يقدم للعالم العربي الكسيح تعليمياً وتربوياً, الوصفة السحرية للخروج من ربقة التخلف التربوي الذي أصبح قيوداً يرسف فيها المعلم والمتعلم, والذي ينسل للعالم العربي عشرات الآلاف من الطلبة الذين لا يملكون علماً ولا عقلاً حوارياً ناقداً.. والمزيد من الاستعباد والذل والهوان... ثم بعد كل هذه الثقافة البائسة يستغربون كيف تنتصر علينا إسرائيل!! والعجيب أنهم يدعون بكل غباء عدم معرفة الإجابة!!