ثمة اعتقاد قوي لدى المواطن السوري بأن إسرائيل لا تريد السلام مع سوريا، وأن حديثها عن الانسحاب من الجولان ليس جاداً· فلو كانت تريد السلام لتمكنت من تحقيقه في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي لبى دعوة الولايات المتحدة إلى مؤتمر مدريد على مبدأ شهير هو (الأرض مقابل السلام)، وحدد للسلام صفتين فقط، هما أن يكون شاملاً وعادلاً·
لقد رغبت سوريا أن يكون الطرف العربي كتلة واحدة تضم سوريا ولبنان والأردن وفلسطين كي لا نصل إلى هذا التمزق والضعف، ولكن لم يسمح الأميركان بتحقيق الشمولية، وأصر الإسرائيليون على أن يأخذوا العرب فرادى، بل تمت تجزئة الوفد الفلسطيني ذاته إلى وفدين، وبعد سلسلة من المفاوضات السورية الإسرائيلية الشاقة تعهد رابين بإعادة الجولان كاملاً إلى سوريا· واحتفظ كلينتون بهذا التعهد· لكن رابين قتل، ربما لأنه بدا للمتطرفين اليهود جاداً· ويبدو أن بيريز خاف أن يلقى مصير رابين فسارع إلى إنجاز مجزرة (قانا) في جنوب لبنان لكي يؤكد لليهود المتشددين بأنه أكثر منهم تشدداً· وحين جاء نتنياهو في مايو 1996 مملوءاً بالغرور والغطرسة، أعلن أنه يرفض مبدأ مدريد الأرض مقابل السلام (على رغم أنه كان الناطق الرسمي لوفد إسرائيل في مؤتمر مدريد) وقد طرح الأمن مقابل السلام، وكان مستشاروه (وهم مجموعة من الصهاينة المتطرفين الذين انتقل بعضهم إلى وزارة الدفاع الأميركية في عهد الرئيس بوش الابن) يريدون نسف عملية السلام كلها، وإجبار العرب على استسلام كامل دون إعادة شيء من حقوقهم· وأعتقد أنهم منذ ذاك الوقت، كانوا يعدون لعمل كبير يقلب الموازين، وكان الرئيس كلينتون بصدد إصدار اقتراح بانسحاب إسرائيل من الضفة، ومتابعة تنفيذ أوسلو حين فاجأه نتنياهو بالرفض· ولكي يريه مَنْ الأقوى في الولايات المتحدة رئيسها أم رئيس وزراء إسرائيل؟ استعرض نتنياهو مكانته في الكونغرس وفي لجنة (إيباك) وسط تصفيق غير مسبوق، وهدد بإحراق واشنطن، وتم تنفيذ الحريق بفستان مونيكا الأزرق، وبمحاسبة هيلاري على كلمات قالتها قبل سنين شتمت فيها يهودياً· ولكن الأميركيين تعاطفوا مع رئيسهم، وقرفوا من قذارة اللعبة الإسرائيلية، وسقط نتنياهو الذي أرجع علاقة إسرائيل مع من صادقها من العرب (من دعاة التطبيع المجاني) إلى نقطة الصفر· وقد سمته الصحافة المصرية (تتن ياهو)·
وجاء باراك واستبشر الكثيرون خيراً، وأرسل باراك وسطاء يدعو سوريا كي تعود إلى المفاوضات، وعادت المفاوضات في مطلع عام 2000 في شبيرزتاون، ولكن باراك أنكر تعهد رابين بانسحاب كامل من الجولان ثم اعترف· وكان كلينتون الذي كسب مودة الأسد على صعيد شخصي، قد خشي على نفسه من الصهيونية فجدد ولاءه لإسرائيل، وأكد التزام أميركا بكل ما تطلبه، ولهذا فإنه لم يستخدم نفوذه وموقعه كحكم وراع لعملية السلام· وأعتقد أن الرئيس الأسد لبى دعوته إلى جنيف في مارس 2000 لسببين، أولهما جدية الرئيس الأسد الراحل في السعي إلى السلام· وثانيهما الاحترام المتبادل والمودة الشخصية التي نشأت بينه وبين الرئيس كلينتون الذي قال له إن لديه شيئاً جديداً· وكان الجديد طلباً بالتنازل عن جزء مهم وحيوي من الجولان على شاطىء طبريا· وكان طبيعياً أن يرفض الرئيس الراحل أن يتنازل عن شبر من حق شعبه، وهو يعتبر الأمر قضية شرف وكرامة ومسؤولية أمام الأجيال، بالإضافة إلى أن ما يطالب به الرئيس الأسد هو ما أقرته الشرعية الدولية في قرارات مجلس الأمن الشهيرة· وهكذا أوقفت إسرائيل عملية السلام على المسار السوري بتعنتها وإصرارها على اغتصاب ما ليس من حقها، بعد أن أنجز من العملية ما يشكل ثمانين في المئة· وسرعان ما توقفت العملية أيضاً على المسار الفلسطيني حين انفجرت قنبلة الحل النهائي بصاعق لاءات باراك، التي لم يستطع الرئيس عرفات أن يقبل بها· ولم يعد أمام الصهيونية الباحثة عن استسلام وإذعان عربي شامل، غير أن تغير الوقائع الإقليمية والدولية، بدءاً من زيارة شارون السيئة الذكر إلى المسجد الأقصى، ومروراً بالحدث التاريخي المهم في 11 سبتمبر، ووصولاً إلى توريط الولايات المتحدة في حروب بالنيابة عنها بدأت في أفغانستان، وبلغت ذروتها في العراق، وهي تهدد بتغيير خريطة الشرق الأوسط كله· ولم يغب عن أحد في العالم أن المستفيد الوحيد مما تورطت فيه الولايات المتحدة هو إسرائيل·
ولقد بدأ شارون باستغلال الوضع الدولي وبهدم كل شيء أنجزته مباحثات السلام الماضية من أوسلو إلى وادي عربة بل كاد يصل إلى اتفاقية كامب ديفيد حين تحدث ضباطه عن إمكانية أن يقوموا بهدم السد العالي، بل أن يقصفوا مكة، وقد حاول العرب احتواء الموقف المتدهور فقدموا عرضاً تاريخياً للسلام في قمة بيروت، وكان رد شارون اجتياحاً مدمراً للبقية الباقية من فلسطين وإمعاناً في تدمير وسحق الشعب الفلسطيني كما فعل في جنين·
هذا بعض ما جعل المواطن السوري يفقد ثقته بجدية إسرائيل· وبدل أن يعزز راعي السلام آمال أنصار السلام، زاد الأمر سوءاً حين وضعت الولايات المتحدة نفسها في موقع الخصم، وبدأت