لم يكن متوقعاً أن يخرج مؤتمر شرم الشيخ حول العراق بهذه النتائج المحدودة وخاصة بمشاركة 60 دولة ورهط من المنظمات الدولية والإقليمية. فلم يتحقق الاختراق بفتح قناة اتصال بين واشنطن وخصومها ممن تسميهم "محور الشر" وخاصة مع إيران، حيث إنه في الوقت الذي كسر الجليد جزئياً مع دمشق عبر لقاء بين رايس ووزير الخارجية السوري المعلم، لم يكسر الجليد مع طهران. بل تم تبادل اتهامات بين وزيري الخارجية متكي ورايس حيث اتهم متكي الولايات المتحدة الأميركية بالإرهاب وحمَّلها مسؤولية الفوضى، وطالب كما طالبت الجامعة العربية و"الديمقراطيون" وأغلبية الشعب العراقي، واشنطن بجدولة الانسحاب العسكري من بلاد الرافدين. ومع أن المجتمعين أجمعوا على نجاح المؤتمر إلا أن الواقع المؤلم هو أن البيان الختامي فيه الكثير من الآمال والمطالب والأماني المكررة، والتي لا يدعمها الواقع المؤلم في العراق. ومع الإجماع المعلن على أن مؤتمر شرم الشيخ كان ناجحاً إلا أن البعض -وأنا منهم- يرون أن اللقاءات كانت بمثابة وضع العربة أمام الحصان، لأن المطلوب "عهد عراقي" قبل "العهد الدولي". كما لم يتم التطرق إلى مسؤولية الولايات المتحدة أو جدولة الانسحاب العسكري، ورسم خريطة طريق بإجماع دولي واقعي بتلازم المسارين الأمني والسياسي، خاصة بعد أن بات واضحاً أن لا حل عسكرياً للمأزق العراقي. لا ينفع الحديث عن المصالحة الوطنية والبناء والإعمار ورسم خريطة طريق مبكرة ومتفائلة عن الازدهار والاستقرار السياسي والأمني فيما لا تزال النيران تشتعل في العراق. والحرب المذهبية تحصد 3 آلاف عراقي شهرياً و50 ألفاً يغادرونه. والأميركيون يبنون جدراناً حول بغداد في حين أن الكونغرس يريد سحب القوات الأميركية من العراق، وسحب تفويض الحرب من الرئيس بوش. والعرب السُّنة يرفضون استقبال المالكي في أكثر من دولة. أما الجامعة العربية فتتحدث عما لا يريده العراق وهو إشراك الفصائل المسلحة في عملية المصالحة الوطنية وجدولة الانسحاب. وفي كل هذه المفارقات استمرار لفقدان البوصلة والتخبط. تعهد البيان الختامي لمؤتمر شرم الشيخ بالعمل على ضمان استمرار وحدة وسيادة وسلامة أراضي العراق، ودعمه خلال الأعوام القادمة وخاصة تقديم يد العون والحث على الانخراط في المصالحة الوطنية والابتعاد عن مخاطر المحاصصة الطائفية. بالإضافة إلى مطالبات مستحيلة من حكومة منهكة وحسب البعض ينخرها التفكك والجمود، ومتهمة من خصومها السُّنة العرب في الداخل والدول السُّنية في الخارج بالطائفية. وهذا ما دفع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للتحذير في لقائه مع الصحافيين من أن العراق سيتابع جدية التزام الدول المشاركة في المؤتمر، وإذا لم تفِ بوعودها لن تكون هناك حاجة لعقد المزيد من المؤتمرات. والمعضلة الكبرى للجميع أن تقوية ودعم الحكومة هي بطريقة غير مباشرة تقوية لنفوذ إيران الحليف القوي لحكومة بغداد. والمعضلة الثانية أنه في الوقت الذي يعلم الجميع أن بقاء أميركا في العراق كارثة، إلا أن انسحابها في ظل الظروف الصعبة الحالية سيكون كارثة أكبر وأخطر على العراق والمنطقة. لم يحصل العراق على ما أمله وهو التزام بإسقاط الديون التي جمعها صدام حسين سوى "تعهد" بإسقاطها وليس "تأكيد" لذلك، وبعضها مشروط مثل المطلب الروسي بدور في القطاع النفطي. وأمل العراق بلقاء أميركي- إيراني ينعكس إيجاباً على الواقع الصعب في العراق لم يتحقق بل حصل تصعيد إلى درجة تبادل الاتهامات وتوجيه أصابع اللوم والاتهام بـ"الإرهاب" وتحميل كل طرف للآخر لما آلت إليه الأوضاع في العراق. لقد تبخرت الآمال الكبيرة من هذه اللقاءات وتكررت البيانات الإنشائية من التزامات ووعود بشطب الديون ورسم خريطة طريق للسنوات الخمس المقبلة... الخ. المشهد العراقي المتغير تحوَّل إلى حلبة صراع بين أميركا وإيران والقوى المناوئة لواشنطن في منازلة دامية وتصفية حسابات على أمل إحداث الاختراق في العراق وفي ملفات أخرى لا تقل خطورة وتحدياً وخطراً على أمن واستقرار المنطقة من ملف إيران النووي إلى لبنان وفلسطين وأفغانستان. هل هذا تفاؤل اليائسين والمتعبين؟ هل سيكون هناك اختراق، أم أن كل هذا لا يعدو كونه تفاؤلاً كاذباً سيضيع في التفاصيل والمصالح وصحوة إيديولوجية التشدد والتحدي؟ أسئلة كثيرة وأجوبة أقل، في ما يمكن أن يكون آخر مؤتمرات العراق.