أتت الانتقادات التي وجهها الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" إلى الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لتعيد مرة أخرى إلى الأذهان صورة الكلب العنيد والمشاكس الذي يقف أمام بوابة لحراسة مكب لخردة السيارات. وكانت البداية في خطابه الذي ألقاه في العاشر من شهر فبراير الماضي بميونيخ، ثم ألحقه بخطابه السنوي الأخير في 26 أبريل المنصرم أمام أعضاء البرلمان بموسكو. فقد صب "بوتين" جام غضبه على الأجانب الذين يحاولون تغيير النظام الاقتصادي والسياسي في روسيا، بل حتى النسق الثقافي لروسيا الفيدرالية، ودعا إلى سن قانون جديد لتفادي وقوع تلك "الموبقات". والأكثر من ذلك أنه أعلن تعليق المشاركة الروسية في اتفاقية أساسية لمراقبة الأسلحة تعرف باسم معاهدة الأسلحة التقليدية في أوروبا. ولا ريب أن الروس يشعرون بالإحباط مما يعتقدون أنه عدم احترام لمخاوفهم المتعلقة خصوصاً بمقترح نشر أنظمة دفاعية للصواريخ الأميركية في بولندا وجمهورية التشيك. لكن أن تتم الإشارة إلى الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي باعتبارهما "عدوين" فذلك ما يخالف المصالح الروسية نفسها، ناهيك عن أن ذلك الاعتقاد لا أساس له من الصحة، إذ لسنا بحاجة إلى التذكير هنا بأن الحرب الباردة قد ولَّت دون رجعة. والواقع أن لجوء الرئيس "بوتين" إلى سياسة حجب الحقائق وإخفائها جزء أساسي من التكتيكات الروسية. فهو على سبيل المثال ليس لديه الكثير ليقوله بخصوص الميزانية الدفاعية، وتزويد الجيش الروسي بأسلحة فائقة، وبدلاً من ذلك نراه يركز على منح الجنود شققاً سكنية، بحيث تحول ذلك إلى أحد المواضيع المهمة في الحملة الانتخابية لهذا العام. واللافت حقاً أن مقاربة "بوتين" الحالية تفترق كثيراً عن تلك التي انتهجها في الماضي، حيث استقل بوتين في 2004 الطائرات المقاتلة للقيام برحلاته الجوية، كما ذهب إلى البحر على متن غواصات عسكرية، واعداً القوات المسلحة بتوفير أسلحة جديدة. وفي الحقيقة لم يكن غرض "بوتين" من ذلك سوى تعزيز سلطته في أوساط وزارة الدفاع، لكن اليوم وبعدما ترسخت سلطته يستطيع الاكتفاء بتوفير السكن للجنود دون الإشارة إلى وعوده السابقة. أما القضية الأخرى التي لم يطرقها "بوتين" في خطابه فهي معاهدة القوى النووية متوسطة المدى. فقد دأب المتحدثون باسم الجيش الروسي على التهديد بالانسحاب من المعاهدة كرد على نظام الصواريخ الدفاعية، لكنهم هددوا أيضاً بإعادة نشر صواريخهم للاقتراب من حدود الدول المجاورة. ومع ذلك لم ينفذ "بوتين" أياً من تلك التهديدات، إذ في الوقت الذي كان بإمكانه الهجوم على معاهدة الصورايخ، أو حتى إعلان انسحاب روسيا منها، فضل "بوتين" التركيز على معاهدة القوات التقليدية في أوروبا، وترك الباب موارباً أمام بدء المباحثات مع حلف شمال الأطلسي الذي يطالب روسيا بسحب قواتها من جورجيا ومولدوفا. فقد أدرك "بوتين" أن مسألة بقاء قواته في البلدين المذكورين يمكن حلها دون تعريض أمن أوروبا للخطر على عكس إعلان الانسحاب من معاهدة الصواريخ، لأن ذلك من شأنه نسف نظام مراقبة الأسلحة النووية الذي تمت بلورته في العقد الأخير من الحرب الباردة. وبالطبع سيؤدي انهيار اتفاقية مراقبة الأسلحة النووية إلى تسابق الدول من أجل حيازتها، كما ستضمن عدم قدرة روسيا على المطالبة بحقها في القيادة الدولية. ويبدو أن "بوتين" يملك ما يكفي من الأسباب الوجيهة التي تدفعه إلى التزام الصمت إزاء مسألة معاهدة الصواريخ، وتجعل الخطاب الروسي خاضعاً لاعتبارات تراعي المصلحة بالدرجة الأولى مثل الحاجة إلى صواريخ جديدة. وفيما يجادل بعض الروس بأن الصاروخ الروسي الجديد العابر للقارات "توبول" دخل مرحلة الإنتاج ويستطيع القيام بمهام صاروخ متوسط المدى، لاسيما وأن إعادة تجهيز محطات دفاعية لإنتاج صواريخ أخرى متوسطة المدى قد يكلف مبالغ باهظة، فضلاً عن أن قدراته المحدودة، يرى البعض الآخر أنه من الأفضل الاعتماد على صاروخ "كروز" الحديث لأنه أقل تكلفة وقادر على الاستجابة للأخطار والتهديدات. وهكذا استطاع "بوتين" حل مشكلة الصواريخ من داخل النظام دونما الحاجة إلى التضحية بسياسة عدم الانتشار النووي. وفي هذا الإطار بدا الكرملين متعاوناً مع الأطراف المتحاورة بخصوص الملفين الإيراني والكوري الشمالي، حيث ترك "بوتين" لنفسه فرصة المناورة. وللخروج من دوامة العلاقات المتوترة بين الطرفين يتعين على موسكو وواشنطن البحث عن فرص جديدة للتعاون، رغم صعوبة ذلك في ظل التراشق الكلامي وتبادل الملاحظات القاسية. وقد كان وزير الدفاع الأميركي "روبرت جيتس" على حق عندما جاء رده هادئاً على الخطبة اللاذعة التي ألقاها "بوتين" في ميونيخ، وهو ما يحتاجه الطرفان الآن للانخراط في حوار مشترك والكف عن توجيه الضربات لبعضهما بعضاً. ولعل القضية الأولى التي يتعين معالجتها هي المخاوف الروسية من نشر أنظمة للصواريخ في أوروبا، حيث بذلت واشنطن جهوداً طيبة في الأسابيع الأخيرة للتخفيف من تلك المخاوف من خلال دعوتها لموسكو للمشاركة في الجوانب التقنية والتكنولوجية للنظام. ويمكن لواشنطن أيضاً اتخاذ إجراءات متقدمة لبناء الثقة تهدئ من روع الجانب الروسي. وفي هذا الإطار يمكن على سبيل المثال الاستفادة من الاتفاقيات السابقة بين الطرفين في المجال العسكري، لاسيما وأن روسيا كانت دائمة التقيد بالاتفاقيات المبرمة مع الولايات المتحدة. ويمكن الإشارة هنا إلى البروتوكول الموقع بين الطرفين في نيويورك عام 1997 الرامي إلى بناء الثقة مع روسيا فيما يتعلق بالنظام الوطني الأميركي للصواريخ. هذه التدابير التي يمكن تعديلاها لتسري أيضاً على نظام الصواريخ في أوروبا، ذلك أنه بخروجنا من مكب خردة السيارات هذا، فإننا لاشك سنحرز تقدماً فعلياً لتطوير العلاقات الثنائية. روز جوتيمولير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مديرة مركز "كارنيجي" في موسكو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"