ونحن صغار، كثيراً ما كنّا نتحمس لمشاهدة أفلام "الأكشن" الأميركية، حيثُ كنّا نُهلل بسذاجة عند رؤية البطل الأميركي وهو يقف منتصراً في نهاية الفيلم، متغلباً على قوى الشر أياً كانت! اليوم تُلاحق أعيننا نشرات الأخبار التي تُبث عبر الشاشات التليفزيونية، عارضة مئات من الصور الحية المأساوية الطابع، التي يعجز أمهر المخرجين عن إخراج صور مشابهة لها. مناظر دموية لقتلى ملقين في الطرقات، وانفجارات يُسمع دويها يوميّاً، ونحيب لثكالى مفجوعات، حتّى غدت مسلسلاً حياتياً يُطالعه المشاهد العربي منذ لحظة استيقاظه من النوم إلى لحظة مضيِّه إلى سريره ليلاً. في الماضي كانت هذه الوقائع تتكرر في تاريخ نضال الشعوب العربية ضد الاستعمار الأجنبي، واليوم هذه المشاهد متورط فيها أبناء الأوطان، نتيجة لشيوع الأفكار الهدامة في أغلبية البلدان العربية. البحرين التي كنّا جميعاً نفخر بأنها أول دولة خليجية صدّرت الثقافة والفنون لبقية الدول الخليجية، والمعروف عن مجتمعها، ثقافته الواسعة، العميقة الجذور، تعيش اليوم ردة فكرية نتيجة لرياح التطرّف التي غزت أغلبية المجتمعات العربية في العقود الأخيرة، وتغلغلت مؤخراً في المجتمع البحريني، وهذا ما لاحظناه من ردود الفعل القاسية على مهرجان "ربيع الثقافة" حيث قامت الدنيا هناك ولم تقعد، على الفنان "مارسيل خليفة"، والشاعر قاسم حداد. وها هو الإرهاب يمد رأسه من جديد في السعودية حيثُ تمَّ اعتقال سبع خلايا تضم 172 مشتبهاً بهم، وهم خليط من سعوديين وأجانب مقيمين، كانوا يخططون لعمليات انتحارية ضد شخصيات عامة، بجانب التخطيط لاستهداف منشآت نفطية، وقواعد عسكرية. ما يجري اليوم في اليمن والجزائر والمغرب، وفي دول إسلامية كباكستان وإندونيسيا، يجعلنا نتساءل حول مكمن الخلل! كيف تفشّى الفكر المتشدد الضال، بين أكثرية شرائح المجتمع العربي؟!كيف يمكن القضاء على مظاهر الغلو الديني، ودحر دعوة تكفير الآخر؟! على الرغم من السمعة السيئة التي لحقت بالعرب والمسلمين، نتيجة العمليات الإرهابية التي طالت عدداً من الدول الأوروبية، وأدت إلى وضع الجميع في خانة الاتهام، وأنهم شعوب تسعى إلى دمار العالم، فإن جماعة "القاعدة" التي أعلنت مسؤوليتها عن الأعمال التخريبية التي وقعت، ما زالت تتمتع بجماهيرية عند بعض الفئات، بسبب لعبها على وتر الذود عن الأوطان، وحماية بلاد المسلمين من الغرب، الذي يُبيِّت نية سيِّئة لها، بتعمده نشر معتقداته الهدامة، حتّى لا تقوم لهذه المجتمعات قائمة! لماذا لا نعترف بأن الإرهاب صنيعة أيدينا! يوم سمحنا لأئمة المساجد المتزمتين، الذين يحثون في خطبهم على تبنّي الفكر المتطرف، مستغلين سذاجة الأجيال الصاعدة، وحشو أدمغتهم بالآراء الشاطحة، وإغراءهم بحور العين في الجنة، ساهمنا في بناء شوكته! حين لم ندعُ إلى شيوع ثقافة التسامح داخل مجتمعاتنا، وغضضنا النظر عن مناهجنا الدينية، التي تُوجد فيها صفحات تحث على نبذ الآخر، وتُكفِّر كل مخالف لديننا، واستباحة دمه، دعمنا استمراريته! حين أعطينا ظهورنا للشباب، ورفضنا إقامة حوار معه، وصممنا آذاننا عن الاستماع لأناته، انتكاساته، أوجاعه، خيبته تجاه ما يجري داخل أوطانه، حتّى لا يُصبح لقمة سائغة في يد المتطرفين، تسببنا في تسهيل تجنيده، وإيصاله إلى بوابات الموت الانتحاري! الإعلام العربي أيضاً متورط في ذيوع الفكر المتطرف، من خلال تجاهله إقامة خطة شاملة، لبناء إعلام حُر، يخدم تطلعات الأجيال الجديدة من عرب ومسلمين، تاركاً كافة قنواته في الترويج للفن الهابط، وثقافة العري، و"الفيديو كليب" الفاضح، حتّى فقدت الأجيال الجديدة الإحساس بقيمة المجتمع الذي تحيا فيه؟! إنها باختصار قضية، الجميع متورط فيها! زينب حفني Zinab_a@hotmail.com