قرأتُ قبل أيام بجريدة "الحياة" مقالةً للأستاذ عصام العريان، القيادي بـ"الإخوان المسلمين" بمصر، عن الحالة بتركيا، والدروس التي ينبغي استخلاصها منها. وقد لاحظتُ أنّ الدروس والعِبَر التي استخلصها الدكتور العريان جاءت كلُّها في صيغة إنذاراتٍ موجَّهةٍ للعلمانيين وللعسكر. فقد ذكر الرجل الجزائر وماذا حدث فيها، وذكر باكستان.. إلى آخر الأمثلة والتي تُثبتُ كلُّها من وجهة نظره أنّ كلَّ الذين تصدَّوا للإرادة الشعبية (أي الظاهرة الإسلامية) جُوزوا -رغم نجاحهم ظاهراً- بالويل والثبور وعظائم الأمور. ولستُ أُخالفُ العريان في سوء تصرُّف العسكر في مواجهة الإسلاميين بانتخاباتٍ وبدون انتخابات. فهؤلاء الناس مواطنون من حقّهم صَونُ حرياتهم وكراماتهم، ومن ضمن الحريات الأساسية الحق في المشاركة السياسية، وعدم التعرض للاعتقال، والقدرة على الحركة والتصرف والسفَر.. الخ. والواقعُ أنّ كلَّ هذه الأمور غير المقبولة حدثت للإسلاميين، ومن قبلهم للشيوعيين (وإنْ ليس بالقدر نفسِه)، وفي بلدانٍ كثيرةٍ عربية وإسلامية. لكنني كنتُ أودُّ، ونحن في خضمِّ هذا المخاض الهائل في اجتماعنا الإنساني والسياسي أن نكونَ أُمناءَ مع أنفُسِنا وأمتِنا ومع الناس الذي يُصغون إلينا ويتأثرون بنا، وينتظرون منا الإصغاءَ للتعقُّل، والصبر على البلاء، والتبصُّر الصحيح في الوضع المأزقي الذي نتردَّى فيه إسلاميين وعلمانيين وعسكراً.. وحاكمين. فالأخُ الكاتبُ على سبيل المثال لم يذكر العسكريين السودانيين من حول الدكتور الترابي وعلى مصطبته -والذين انقلبوا على"الإرادة الشعبية" عام 1989، وأقبلوا على إنشاء الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة كما قالوا، أو دولة المفاصلة، كما قال الأستاذ الترابي حينَها. والطريف والمؤْسي في الوقت نفسِه، أنّ أولئك العسكريين الإسلاميين دخلوا إلى الجيش في عهد "الإمام" جعفر النميري، الذي كان قومياً ويسارياً، ثم صار إسلامياً بفضل وببركة الدكتور الترابي نفسه. ومع ذلك ما تعلَّم الترابي، ولا تعلَّم تلامذتُهُ من مَثَل أمير المؤمنين النميري، وها هم قد تخلَّوا بعد ثمانية عشر عاماً من الوصول إلى السلطة عن أكثر أُطروحاتهم؛ لكنْ بعد خراب البصرة، وصيرورة السودان عدة دويلاتٍ وكيانات، وموت أكثر من مليوني إنسان قتلاً أو جوعاً، وتهجير أربعة ملايين أُخرى من الجنوب ودارفور. والعسكريون الجزائريون ما تصرفوا بحكمةٍ ولا بمسؤوليةٍ في مواجهة الإسلاميين عندهم، ولا راعَوا الإرادة الشعبية بالفعل. لكنّ الإسلاميين يا أخي تجرأوا على ما لا يتجرأُ عليه كافرٌ فضلاً عن مسلم (هذه على سبيل النكتة فقط!)، نعم، لقد تجرأوا على الحرب الأهلية، وما نجا من إغراءاتها بالفعل إلاّ قلةٌ قليلةٌ منهم، آثروا الموتَ على أيدي العسكر أو المتطرفين على الخوض في الدم. أذكر أنني -وعلى مشارف ظهور نتائج الدورة الأولى من الانتخابات هناك- سهرتُ مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله، فوجدتُهُ شديد الخوف من جبهة "الإنقاذ" وعليها إن ربحت أو خسِرت. واستغربتُ منه ذلك، وسألتُه: لماذا هذا الخوف؟ فقال: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، الظروف ليست ناضجة لوصول الإسلاميين للسلطة، وأخشى أن يصطدموا بالجيش، ويسيل دمٌ كثير، وتُوأدُ التجربةُ في مهدها، وتحدث حربٌ أهلية، فلا تقومُ للخيارات الشعبية بعدها قائمةٌ لزمنٍ طويل؛ وبخاصةٍ أنّ التجربة بالجزائر غضّة، لا تكاد تبلُغُ الثلاث سنوات! وأجبْتُه بسرعةٍ ونَزَق: كلُّ ذلك لن يحدث، أتدري لماذا؟ لقوةِ فكرة "الجماعة" لدى المالكية! وحكَّ رأسه غير مُصَدِّق، وقال: أشهدُ بالله أنك سُنيٌّ متعصّبٌ، هل تعني أنّ السُّنة لا يجرأون على سفك الدم والحرب الأهلية؟! ثم يا بني، أتظن هذه الإسلامية الجديدة، كما يسميها العلمانيون، هي صيغةٌ من صيغ المالكية المسكينة؟! أنا لا أثقُ بهؤلاء الشبان القليلي الخبرة، والبالغي الحماس، كما لا أثقُ بالعسكريين الخالدين في السلطة! وعندما زرتُهُ مرةً عام 1996 على أثر إحدى المذابح الشائنة بالجزائر الحبيبة، خشيتُ أن يذكّرني بالجماعة السُّنية، فقلتُ له: يا سيدي، الأمر كما قال حسن البنا: هؤلاء ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين! فقال: ولا كلّ هذا، لكنْ الشيعة والسُّنة لسوء الحظّ يجرأون على سفك الدم والحرب الأهلية، ولبنان شاهدٌ على ذلك! إنّ أَولى الناس بالتعلُّم من الإسلاميين الأتراك، الإسلاميون العرب، والباكستانيون. فهم مثلهم تيارات شعبية زاخرة وكبيرة. وقد عانى نظراؤهم الأتراك مثل ما عاناه الإسلاميون العرب والباكستانيون وأكثر. تصوَّر أن تدخُلَ السجن أو تُهان للباسٍ تلبسُه، أو شارةٍ تضعُها يُعتقدُ أنها دينية! وفي مجلسٍ ضمَّني مع الإسلامي العجوز القديم نجم الدين أربكان أواخر التسعينيات (وهو على فكرة عجوزٌ منذ رأيتُه لأول مرةٍ بألمانيا قبل خمسٍ وثلاثين سنة!) سمعتُهُ يقول: لقد تمنيتُ الموتَ مراراً، وكنتُ كلما كاد اليأس يسيطر عليَّ أُكرِّر مئة مرة قوله تعالى: {إنه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون} وقال لي نائبٌ من "حزب العدالة والتنمية" تعليقاً على ما أصاب السيدة مروة عضو البرلمان: إنّ أشدَّ ما يغيظني في العقلية التركية والعلمانية التركية، ذلك الغرام الهائل بالقانون، فلكلّ كبيرةٍ وصغيرةٍ قانون وافق عليه برلماننا بأكثرية، حتّى شكل غطاء الرأس القانوني والآخر غير القانوني. يستطيع الإسلامي السوريُّ أو مَثَلاً أن يعزّيَ نفسَه إن ناله شيء من العناء، أنّ ذلك من فعل الأمن والمخابرات غير المشروع وغير المعقول، لكنْ ماذا نقولُ نحن مع النصوص التي كان القانون يتضمنها حتى عن طرائق الضرب التي نُعاقَبُ بها لأفعالِنا الشائنة التي منها تنظيم مدرسة لتعليم القرآن من وراء ظهر الدولة أو إرسال الولد ليتعلَّم الدين في الخارج! لقد صبر الإسلاميون الأتراك، وصبر معهم الجمهور التركي، وما تنكَّروا تحت وطأة المعاناة (بالقانون) ليس للإسلام فهذا مستحيل، فالدكتور الكاتب يعرف بالتجربة أنّ المعاناة تزيد المرءَ إصراراً. نعم، ما تنكَّروا للدولة المدنية، التي تنكَّر لها كثيرٌ من الإسلاميين العرب والباكستانيين، وابتداءً وبدون قمعٍ أو تعذيب. فالإسلاميون الأتراك مقتنعون أنّ الدولة المدنية الديمقراطية هي الصيغةُ الأقربُ للإسلام ولمصالح الشعب التركي. وما تنكَّر الإسلاميون الأتراك للعلاقة بالعالم. وها هم وقد وصلوا إلى السلطة، يسعون بأيديهم وأرجلهم وعقولهم وهممهم للدخول إلى الاتحاد الأوروبي فيلقَون الصدَّ، ويلقَون التعيير والتمييز الديني والإثني، فيصرخون ويستنكرون ولا يتنكرون، ولا يرون لأنفسهم وأمتهم مستقبلاً إلاّ مع العالَم بعُجَره وبُجَره. لكنهم بالتأكيد ليسوا عملاء ولا أذلاّء ولا تابعين للخارج. فعندما طالبهم الأميركيون بالمساعدة في غزو العراق، ودولتُهم حليفة أميركا منذ عام 1949 رفضوا وجمعوا البرلمان فرفض، وهمْهم العسكر وتذمَّر فما أفاد شيء في ثنيهم عن قرارهم. بيد أنّ القدرةَ الأهمَّ والأعظَم أنهم ، ورغم ظروفهم القاسية طوال أكثر من عقدين، ما مكّنوا ولو لقلةٍ من المتطرفين أن تخرج من بين صفوفهم بداعي اليأس أو إعلان "الجهاد العالمي" الذي يعلنه المتطرفون العرب، والباكستانيون، كلَّ يوم! وهكذا فقد تجد قومياً تركياً متطرفاً، لكنك بالتأكيد لن تجد في صفوف "حزب السعادة" أو "حزب العدالة والتنمية" مسؤولين بارزين متطرفين يقولون بالعنف أو يمارسونه. وهذا أمرٌ يحسُنُ أن نتعلمه منهم، لأننا في أشد الحاجة إليه. والعلمانيون والقوميون بتركيا هم الذين تعاملوا مع الأكراد والأقليات الإثنية والدينية بقسوة. أمّا في عهد أردوغان فإنّ المشكلة الكردية هدأت، ولولا العقلية الأمنية لدى العسكريين، والمطامح والآمال التي بعثها الأميركيون المضلِّلون والمضلَّلون في أكراد العراق عشية غزوه، وفي أكراد تركيا استطراداً، لأمكن تحقيقُ خطواتٍ أَوسع لحلّ المسألة الكردية المعقَّدة بتركيا. فأين الإسلاميون العرب والباكستانيون من التصدّي بالمعالجة للحساسيات والاحتكاكات والمشكلات التي أثارها الصعود الإسلامي في أوساط المسيحيين والإثنيات الأُخرى في الوطن العربي وفي باكستان؟ لا أعرفُ غير الأحاديث عن أخلاق الإسلام السمْحة، وما صدرت وثيقةٌ حقيقيةٌ لدى تلك الأحزاب الإسلامية العريقة عن المواطنة وحقوق الإنسان! بل إنه حتى هذه الأحاديث الطائرة عن التسامح لا تُسمع في باكستان اليوم بين الإسلاميين! لقد عانى الإسلاميون الأتراك من العسكر، ومن علمانية العصا الغليظة، لكنهم ما تنكَّروا للدولة الدستورية، ودولة القانون. ولستُ أزعُمُ هنا أنّ عسكرييهم وأمنييهم أرحمُ من عسكريينا وأمنيينا؛ فكُّلنا في الهمّ شرقُ. لكنهم على الأقلّ، وبعد التجربة الانقلابية الرابعة أو الخامسة، اقتنعوا بأنّ البلاد على المحكّ فتركوا أردوغان الإسلامي يصلُ لرئاسة الحكومة. والذي أخشاه (وأنا متوجّسٌ بطبيعتي) أن يكون الرجل الطويل القامة والبال قد تعجَّل هذه المرة فطلب الرئاسة أيضاً غير مُبقٍ للعلمانيين غير رئيس أركان الجيش بميدالياته المتهدّلة! وأرجو أن أكونَ مخطئاً.