فور نشر مقالتي السابقة "الحريم قادمون"، تلقيت إعصاراً حاشداً من الاتصالات الهاتفية، والرسائل القصيرة، والبريد الإلكتروني بعضها عاتب يلوم ويعارض المطالبة بمنح المرأة الفرصة لتولي السلطة بعد أن فرضت سطوتها على كل شيء يخص الرجل، وبعضها الآخر يؤيد ويشجع ويطالب بمزيد من حقوق المرأة. وقد وجدت أنه يمكن تجاوزاً تقسيم المهاجمين والمدافعين إلى ثلاثة تيارات متباينة؛ "يمين ووسط ويسار"، كالآتي: - التيار الأول: كان الأكثرية التي لامتني على ما جاء في المقال، والغريب أن بعضهم من الحريم، تحت زعم أن المرأة قد احتكرت كل السلطات في المنزل والأسرة والمجتمع والهيئات والمؤسسات والحكومة، ولا ينقصها سوى استعباد الرجل. وأصحاب هذا الموقف يرون أن مكان "الحرمة" الحقيقي هو المنزل وتكوين الأسرة وتنشئة الأبناء وتربيتهم، بعد أن أصبح الأولاد أسرى الخادمات من كل حدب وصوب، لا يعرفون عن والديهم ولغتهم وتقاليدهم وأوطانهم شيئاً، وباتوا يفتقدون الانتماء الوطني ورابطة الهوية الوطنية. - أما التيار الثاني فإن أصحابه أقلية، وهو من أنصار تأييد وتشجيع ومناصرة أن تتبوأ المرأة مكانها وفق قدراتها وتأهيلها وكفاءتها وخبرتها، ويطالب بمنحها الفرصة للوصول إلى أعلى مراكز السلطة إذا كانت تستحق ذلك دون مقارنة "ذكورية"، ولكن أصحاب هذا التيار يطالبون في الوقت ذاته بوضع حلول عملية وبراجماتية للمشكلات التي تواجه "الحرمة" العاملة، ولا يرون في تربية الخادمات أي تأثير على الأبناء!! - أما التيار الثالث فكان أصحابه قليلي العدد، وهم يحاولون إمساك العصا من المنتصف، فهم لا يؤيدون عمل المرأة ولكنهم في الوقت ذاته لا يعارضونه، كما أنهم لا ينكرون ضرورة أن تأخذ المرأة حقها، إلا أنهم لا يساندونه، ويعتبرون أن الوسطية والاعتدال تجاه التعامل مع المرأة أمر مهم يجب أخذه في الاعتبار. ولكن كل هذا الزخم والاهتمام بقضية تولي المرأة للسلطة، يقودنا إلى أمر آخر مهم، هو: كيف تطالب المرأة بالمساواة بالرجل في حين أنها تريد معاملة خاصة في كل شيء حتى تشعر بأنوثتها؟ في الطابور، وفي تجاوز الدور، وأن يكون لها مكان خاص في كل مرفق، وتنفرد بإجازات طويلة للوضع، وساعات تأخير للرضاعة، وتتهرب من العمل الشاق تحت زعم أنها مخلوق ضعيف وحساس؛ في حين أنها تريد منافسة الرجل في الوظائف كلها على اعتبار أن الله حباها قدرة على التحمل أكثر من الرجل وتتميز بالصبر؛ لذلك فقد كلفها بالحمل والوضع والرضاعة... القائمة طويلة وربما يعرفها كثيرون، لذا فإن هناك حاجة ضرورية وماسة لإنشاء "جمعية الرفق بالرجل"، ولهذه الجمعية أهداف عديدة من أهمها؟ - حماية الرجل من بطش المرأة، سواء الأم أو الأخت أو الزوجة أو الزميلة أو الصديقة أو الرئيسة، التي تستغل سذاجة وضعف الرجل تجاه "الحريم"، وتضغط عليه لمصلحتها الخاصة ولأعمالها الشخصية، وللشعور بذاتها. - توفير تأمين شامل "صحي واجتماعي ووظيفي" للرجل الذي يتعرض لـ"كيدهن"، لأن كيدهن عظيم، يجعل الأبيض أسود، والخطأ صواباً، والناقص كاملاً. - إيجاد مأوى للرجل الذي تطرده زوجته من "جحيم" جنتها و"بؤس" رضاها، بعد أن تكون قد استنزفت أمواله، وامتصت مدخراته. - تقديم الرعاية الطبية اللازمة للأزواج الذين تعرضوا لعدوان من زوجاتهم بالأسلحة الأرضية والقذائف المنزلية. - الدفاع عن الرجال أمام القضاة الذين يتأثرون بالضعف أمام الجنس اللطيف الناعم، ويتأثرون بدموع التماسيح، ومسكنة "الحرمة"، ويراعون هذا الضعف في حكمهم لصالحها. - علاج الآثار المترتبة على الطلاق، حيث يفقد الرجل كل ماله وعياله ومأواه، ويدوخ في المحاكم دون معين أو سند إلا الدعاء لله. - إعادة التأهيل "العصبي- البدني" للرجال الذين تعرضوا لظلم واضطهاد رؤسائهم من "الحريم"، بعد أن تكون أصابتهم أمراض العصر من حالات القلق والذهان العصبي وفقدان الثقة بالنفس. - التأهيل النفسي للرجال المقدمين على الزواج لتحمل أهواله وتبعاته، والتخلي عن أحلام اليقظة من رومانسية وعيشة هنية، لأن دخول قفص الزوجية ليس مثل الخروج منه، فهو تنازل كامل عن الحرية الشخصية، والقبول طواعية بالإفلاس الشهري والتعود على الاستدانة، واعتبار نفسه مواطناً من الدرجة الرابعة في بيته، حيث يأتي بعد أهل الزوجة وأصدقائها وأبنائه. - مساواة الرجل مع المرأة في المعاملة، سواء في الطابور أو البنك أو المطار أو الترخيص أو الوظيفة. - العمل على استرداد الحقوق المسلوبة من الرجل في المجتمعات المعاصرة، لأن ذلك يمثل إجحافاً أساسياً، وإهانة لكرامته الإنسانية. - مساعدة الزوج في الحصول على حقه في التمتع بجزء يسير من راتبه دون تدخل من الزوجة. - حماية الرجل الأعزب أو المضرب عن الزواج أو الذي سبق وارتكب جريمة الزواج وتاب توبة نصوحاً من الوقوع في شراك الزواج مرة أخرى. - ضمان حصول الرجل على حق التمتع بالإجازات المدفوعة الأجر عند إجباره على رعاية أبنائه الرضع إذا تخلت الزوجة عن هذا الواجب. من المؤكد أن الرجل قد تحول إلى كائن مطيع هادئ، ومسلوب الإرادة أمام "الحريم"، بزعم أن المرأة كائن عاطفي ومرهف الحس، وبات من طيبته وفرط سذاجته يطالب بحقوقها ويحارب التمييز ضدها، وتناسى أنه وسط زخم دفاعه عن المرأة نسى أو تناسى حقوقه هو، وتنازل طواعية عن إرادته، وسلم زمام أمره لـ"الحرمة". إن واقع المجتمعات العربية وحقيقتها يشيران إلى أنها "مجتمعات أنثوية"، تتمتع فيها المرأة بحريتها كاملة غير منقوصة، فالرجل يملك ولا يحكم، والمرأة تحكم ولا تملك، وشتان بين الوظيفتين، كما أن الرجل يهب للدفاع عن المرأة ويساندها ويشد من أزرها إذا تعرضت لأذى، ويتقاتل الرجال من أجل "حرمة"، ودائماً ما يُقدِّم الرجل المرأة عليه في الدخول والخروج والركوب والنزول، والسيارات على أنواعها تقف للمرأة أو تتبعها، ولا تأبه لوجود كائن جنسه "ذكر"، وتفرض الحرمة العروس دائماً شروطها من مهر وذهب ومقدم ومؤخر وبدلات، وللمرأة ذمتها المالية المنفصلة ونشاطها الاقتصادي وغير مسموح للرجل بمشاركتها فيه في حين أن العكس صحيح، وتستطيع المرأة أن تتزوج وتجلس في المنزل ليتحمل الرجل مسؤولية خدمتها، في حين أن الرجل لا يستطيع ذلك. إن قراءة عالم الذكورة العربي تثير الشفقة، بعد أن تشبَّه كثير من الشباب بالحريم، في الشكل والملبس والحركات والإكسسوارات، الأمر الذي يصعب معه في أحيان كثيرة التمييز بينهما، وتراجع كثير من الأزواج عن حق القوامة والإنفاق على الأسرة، واستمرأ العيش على حساب الزوجة، وترك الأمر والنهي بيدها، وفي ظروف كثيرة تخلى الرجل عن المنافسة الشريفة مع المرأة المستنيرة والمثقفة والمثابرة في تحمل المسؤولية الوطنية. في عصر العولمة تم المزج بين الرجل والمرأة فيما يسمى بـ"الإنسان المتعولم"، لذلك فإن الدعوة إلى إقامة "جمعية الرفق بالرجل" ربما يكون لها وجه آخر هو مساعدة الرجال ليصبحوا رجالاً بحق واسماً على مسمى!!