تولت مجموعة من المفكرين العرب في ندوة بيروت، أبريل 2001، تقديم فكرة تمهيدية عن المشروع الحضاري النهضوي العربي، كما جاء في ورقة الباحث د. أحمد صدقي الدجاني. مجموع من النتائج خرجوا بها، يقول الدجاني "من دراسة الفكر الغربي الذي مثل تحدياً للأمة العربية بمشروعَيْه". فقد كان للغرب في هذه المنطقة مشروع حضاري، يضيف الباحث، ومشروع آخر استعماري! ولكن ما طبيعة الفكر الغربي الذي احتكَّ به الفكر العربي وتفاعل معه منذ الغزو النابليوني لمصر عام 1798؟ جوهر هذه الحضارة الغربية التي ترعرع فيها هذا الفكر، كما يشير إليها المفكر قسطنطين زريق، ثلاثة أشياء: اعتبار العلوم الطبيعية العلم الحقيقي الجدير بالاهتمام والمتابعة، إيمان بالإنسان بأنه أهم الكائنات في هذا العالم الطبيعي، بل هو تاجه وغايته، إيمان بالعقل بأنه ميزة الإنسان ومصدر تفوقه وتفرده، وهو الأداة التي بها يتوصل إلى الحقيقة، وقد فعل هذا الجوهر فعله في صنع تقدم الغرب ورسم صورة الحياة في المجتمعات الغربية. اكتشف الباحث في مسيرة الحضارة الغربية، وفكرها نتائج ومعطيات أخرى: فهذه الحضارة آمنت ذات يوم بوحدانية الحضارة الغربية وأنكرت ما قدمته الحضارات الأخرى، ولهذا تعامل الغربي مع الآخرين، يقول "الدجاني"، بمقياسين، وكال بميزانين، وكان لهذا الفكر الغربي دوره في العملية الغربية الاستعمارية وممارستها، وبرزت فيه تيارات تتحدث عن "رسالة" الرجل الأبيض. ويشير الباحث إلى اكتشاف ثالث هو تعدد التيارات والمذاهب والاتجاهات في هذا الفكر الغربي يميناً ويساراً، وتوالي الأزمات داخله من كل لون. وقد بانت هذه الأزمة الحضارية بوضوح غداة تفجر الحرب العالمية الأولى عام 1914، ثم ظهرت بشكل حاد غداة تفجر الحرب الثانية عام 1939، ولكن إلى أي مدى يمكن اعتبار مثل هذه التوجهات، خصائص الفكر الغربي وحده؟ ألا نجد شبيهاً لهذا الانقسام بين المشروعين في تاريخنا العربي والإسلامي مثلاً، حيث ترافق مشروع الدعوة الإسلامية بقيمها ومثالياتها من جانب، مع سياسات الدول الإسلامية والأسر الحاكمة على مدى 1400 سنة؟ أما عرفنا التمييز بين الفاتحين العرب والموالي، وبين المسلمين وأهل الذمة؟ ألم يشهد تاريخنا مراحل من التشدد واضطهاد أهل الفكر (ضد المعتزلة وابن رشد وابن المقفع بل وبعض أئمة الفقه!)، إلى جانب مراحل التسامح التي وفرت لليهود في بعض مناطق العالم الإسلامي حياة أفضل من تلك التي عاشوها في العالم الغربي؟ وقد عرفنا في تاريخنا حمل أسرى الحروب والفتوحات، إلى المدن الإسلامية، وبيع الرجال والغلمان والنساء فيها بمختلف الأثمان، تماماً كما أتاحت مجتمعاتنا لبعض هؤلاء الأسرى والمماليك والأرقاء الوصول إلى أرفع المناصب! ولكن الغربيين، بعكسنا، يمتلكون حرية البحث في تاريخهم السياسي والثقافي والاجتماعي دون خوف من النتائج، ودون أن يتعرض المؤرخ لأي اضطهاد إلا نادراً، بينما يتعرض كل باحث رصين يصل إلى نتائج "غير مرغوبة"، إلى حرب ثقافية وشخصية وقانونية "عشواء"! بالمناسبة، لفتت نظري كلمة "عشواء" هذه، ماذا تعني بالضبط! وفتحت "المعجم الوسيط" فقرأت ما يلي: العَشْواء: مؤنث الأعشى. ويقال: هو يخبط خبط عشواء: يخطئ ويصيب، كالناقة التي بعينيها سوء إذا خبطت بيدها. ويقال: هم في عشواء من أمرهم: في حيرة وقلة هداية! استعرض السيد الدجاني في ورقته جوانب عديدة من تطور الفكر العربي في العصر الحديث، وتجارب المشاريع النهضوية العربية، ولكن كالعادة في الكثير من هذه البحوث، طغى التحليل السياسي وعداء الغرب على ورقته، ولم يضف جديداً في مجال تعرية جذور أزمتنا الحضارية، فصحيح بالطبع أن الغرب، بسبب مشروعه الاستعماري، مسؤول عن جانب معين مما نحن فيه، ولكن المشكلة الكبرى فينا! في الدار لا في الجار، بل لم يكن المسيحيون الغربيون رحماء فيما بينهم.. على امتداد القرون! وقد اعتدت دول غربية مسيحية على دول غربية مسيحية مراراً وتكراراً، وقتلوا مئات الألوف في سوح الوغى ودمروا مئات القصور وآلاف البيوت والمصانع، وفعلوا ببعضهم بعضاً العجب العجاب، في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وروسيا وإيطاليا وبولندا، وشنوا الحروب الفكرية والدعائية والإعلامية ضد الإنجليز والأميركان والفرنسيين والألمان والروس، كما جرت حرب أهلية طويلة عريضة في الولايات المتحدة انتهت بإلغاء الرق، وقام الإسبان بتدمير مدنهم في الحرب بين الملكيين والجمهوريين... الخ. وبالطبع، لا يبرر هذا كله السياسات الغربية في العالم العربي والإسلامي، إلا إننا بحاجة ماسة إلى توسيع فهمنا للتاريخ، ولحقيقة وحجم ما جرى بين الشرق والغرب، أو بين أوروبا والعالم العربي والإسلامي، فلا نقع ضحايا للمبالغة والفهم السقيم الذي روّج له الأصوليون الإسلاميون بالذات، طويلاً في ثقافاتنا، فيما يحاول بعض القوميين اليوم اختطاف راية التشدد منهم! كان بين المعقبين على ورقة الدجاني د. كمال عبداللطيف (من المغرب)، فكان تأكيده بـ"أن الحضارة الغربية اليوم ومن دون جدال هي إحدى أكبر لحظات المغامرة الإنسانية في التاريخ، ولا نستطيع تصور إمكانية تجاوزها، أو بناء بديل لها دون مغامرة الإقبال على استيعاب مكاسبها، ودون أن يكون لهذا الإقبال بالضرورة معنى الخضوع والتبعية العمياء لهذه الحضارة". وأضاف إنه من المستحيل "التفكير في المشروع النهضوي العربي خارج معطيات النموذج الحضاري الغربي". وتساءل الباحث "وجيه كوثراني" في مداخلته: ماذا بقي من فكر النهضة العربية الحديثة؟ هل درسنا أفكار النهضة واختبرنا مدى استمرار صلاحيتها للظرف الراهن؟ لقد بقيت أزمنة المشروع النهضوي في إدراكنا التاريخي بلا نقد، إلا على مستوى البحث الفردي، القوميون الاشتراكيون أسموا الديمقراطية التعددية "ديمقراطية رجعية"، بينما أطلق الإسلاميون على أفكار الدولة العربية صفات "الجاهلية" و"الأفكار المستوردة". ونبه د. عزيز العظمة المستمعين إلى المعنَيَيْن المختلفين في اللغة العربية لكلمة "الأمة". فالمعنى التراثي لها هو "جماعة المؤمنين". والمعنى القومي هو الذي يشير إلى "مجموع الشعوب" وحصيلة التحولات الاجتماعية. وهذا يعني وجود فارق أساسي في الثقافة العربية المعاصرة حتى حول مفهوم "الأمة" بين الإسلاميين والليبراليين والقوميين..! اعترض د. عزيز العظمة على إعطاء العروبة مضموناً إسلامياً.. وعارض كذلك بناء الدولة على أسس دينية، بل ورفض أن يُشار إلى "الحركة الوهابية" باعتبارها حركة نهضوية، حيث "ينتمي الإصلاح الوهابي إلى العصور الوسطى، ويندرج في سياق اتجاهاته الإصلاحية، كالاتجاه المتمثل في ابن تيمية.. وفي الحركة الوهابية مفارقة انفصامية، فهي حركة نكوصية نشأت في عهد الثورة الفرنسية وعهد الأنوار". وهاجم د. العظمة كذلك ثورة الشريف حسين قائلاً: "أما العصيان الحجازي المحَفَّز بريطانياً، والمسمى بالثورة العربية الكبرى، فقد كان حركة سلالية لا أعتقد أنها تمُتُّ إلى القومية العربية بصلة أكيدة، غير تخصيصها الخلافة بالجنس العربي والأسرة الهاشمية". وطرح. د. جودة عبدالخالق، من جامعة القاهرة، في مداخلته، اعتراضاً على من يرفضون المشروع الغربي، ففي هذا المشروع عناصر مهمة كالتفكير العلمي والديمقراطية، غير أن د. عبدالخالق طالب كذلك، وفي رؤية غير عصرية، بالوحدة العربية، كشرط لما سماه "الانطلاق إلى الأمام"، فالمشاهد أن الكثير من الشعوب الآسيوية وغيرها تنطلق إلى الأمام وتتقدم، رغم صغر حجمها وبساطة مواردها وضيق أسواقها المحلية. لابد للوحدة بين دول العالم العربي، فيما أرى، أن تعتمد على بلدان عديدة متفاوتة من ناحية الدخل ومستوى التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وربما لخصت مداخلة أستاذ الفلسفة، د. حسن حنفي، الكثير من المآخذ على هذه الأفكار وعلى آراء المحاضر نفسه، د. أحمد صدقي الدجاني ، فقد لاحظ المفكر المصري المعروف أن الخطاب العربي المعاصر ما زال أيديولوجياً، إنشائياً، خطابياً، وعظياً، "تغيب عنه المفاهيم وتحليلها بدقة وعمق". وسنواصل الحديث.. فقد بقي الكثير!