شهدت الآونة الأخيرة اتجاهاً مهمّاً لتوظيف المكانة والتأثير الروحي المهم للمنابر الدينية في توعية أفراد المجتمع، والتصدي لبعض القضايا والإشكاليات والسلوكيات الخاطئة التي تفرزها ممارسات الحياة اليومية؛ ومن ذلك دعوة خطباء الجمعة المصلّين إلى احترام قوانين العمل، والأنظمة المعمول بها في الدولة، ومطالبتهم أرباب العمل تحديداً بالالتزام بحقوق العمال ودفع أجورهم. وضمن هذا السياق أيضاً دعا خطباء الجمعة في فترات سابقة سائقي المركبات إلى الالتزام بقواعد السير والمرور، وعدم تجاوز السرعات المحددة على الطرقات، كما صدرت فتوى دينية تحرّم تجاوز الإشارة الحمراء ومخالفة قوانين السير والسرعات الزائدة. والمؤكد أن طرق الأبواب كافة لتحقيق أهداف مجتمعية نبيلة مسألة إيجابية، خصوصاً أن استثمار الوازع الديني لدى شريحة عريضة من المواطنين والمقيمين، يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية، تفوق أثر قوانين وتشريعات ربما يميل الكثيرون إلى عدم التقيد بها لأسباب واعتبارات لسنا بصدد سردها ومناقشتها في هذا المجال. السؤال البديهي هنا هو: ما دامت هناك فتاوى تحرّم مخالفة قوانين السير، وهناك خطب تشدد على الالتزام بقوانين العمل، وتحرّم الافتئات على حقوق الآخرين، سواء في العمل أو على الطرقات، فلماذا لم تؤتِ هذه الفتاوى والنصائح ثمارها المرجوة حتى الآن على الأقل؟ الإجابة عن هكذا تساؤل، يمكن أن تتمحور حول مدى فاعلية أحد عناصر معادلة الاتصال، باعتبار أن معظم أركان عملية الاتصال مؤهلة بنسبة كبيرة لتحقيق الهدف المرجو. فالرسالة (الخطبة) تبدو في معظم الأحيان واضحة وصريحة ومباشرة ومفهومة وغير قابلة للتأويل، وبيئة الاتصال مؤهلة وصالحة لفهم الرسالة، وقناة الاتصال بدورها أيضاً ملائمة ومناسبة لتحقيق الهدف، والالتقاء مع الجمهور المُستهدَف على أرضية مشتركة، في حين أن المتلقّين أو معظمهم على الأقل مستعدون لاستقبال الرسالة بشكل إيجابي، بحكم القيمة النوعية العالية التي يحظى بها الوازع الديني لدى شريحة عريضة من المواطنين والمقيمين. وبالتالي يحصر الكثيرون السبب في نطاق القائم بالاتصال، أو خطباء المساجد، لأن الكثير من الخطباء يلقي الخطبة بطريقة جافة وسريعة لا تمتلك مؤهلات النفاذ إلى القلوب، وربما تتقلص فرص نجاح الرسالة في ظل رداءة أسلوب كتابة بعض الخطب التي تُصاغ بطريقة المقال، وتجافي حرفية الخطبة، التي يفترض فيها مراعاة توظيف مهارات الخطيب الاتصالية في تعزيز البيئة التفاعلية مع الحضور. ولاشك أن توحيد خطبة الجمعة مسألة لا غبار عليها، شريطة منح الخطيب مساحة حرية للحركة ضمن الموضوع، لإضفاء عناصر الجاذبية الاتصالية على الرسالة، بما يضمن الاستفادة من القدرات الخطابية، ويضفي قدراً من التنوّع والإبداع الذي يضمن شدّ انتباه المستمعين واستمالتهم لموضوع الخطبة، بينما يرى آخرون أن هناك حاجة ملحّة إلى التوسع في تجربة الخطابة بلغات أخرى غير العربية، وذلك مراعاةً لأحوال المسلمين من غير العرب، ولتعزيز أهداف الشراكة المجتمعية، وأيضاً تكثيف الدورات التدريبية التي تعدّها "الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف" للخطباء على فن الإلقاء وملكات الخطابة. بالطبع لا يمكن تصور أو افتراض أن الخطب والفتاوى الدينية قادرة على تحقيق ما قد تخفق القوانين والتشريعات الإدارية في تحقيقه، ولكن من الضروري في مواجهة بعض المشكلات مثل حوادث المرور، اللجوء إلى الأساليب والأدوات كافة، من أجل وقف نزيف الدماء وإنقاذ أرواح عشرات الأبرياء ممن تُراق دماؤهم في الشوارع بسبب حوادث السيارات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.