باعتباري ممثل الولايات المتحدة في مجلس المدراء التنفيذيين للبنك الدولي، قمت عام 1980 بترشيح "ألدن وينشيب (توم) كلوسن" رسمياً لمنصب الرئيس السادس للبنك. فلم تكن النتيجة مخيبة للآمال، حيث تم انتخاب "كلوسن" وسط تأييد كبير؛ وكذلك كان الحال دائماً. فمنذ إنشاء البنك الدولي في نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن انتخاب أميركي رئيساً للبنك موضوع تحد أبداً مثلما هو الحال اليوم؛ حيث أضحت 51 عاماً من الخدمة الأميركية على رأس أكبر مؤسسة مالية دولية في خطر بسبب رئاسة "بول وولفوفيتز" غير الموفقة للبنك الدولي، التي كان من نتائجها أن طالب البرلمانُ الأوروبي الأسبوع الماضي باستقالته. فأي تدهور لسمعة الولايات المتحدة في البنك هذا! بدأت الرئاسة الأميركية للبنك في يونيو 1946 بعد أن أصبح مالكُ صحيفة "واشنطن بوست"، "يويجين ميار"، أول رئيس للبنك الدولي، وذلك بدعم من الرئيس "ترومان". والحق أن إنجازات "ميار"، الذي طور البنك، إضافة إلى سنوات الخدمة التي أداها الرؤساء الأميركيون الأربعة الذين أعقبوا "ميار"، هي التي سهَّلت انتخاب "توم كلوسن" لاحقاً. لقد كانت مهمتي أمام المجلس شكلية؛ ذلك أن الجزء الأكبر من العمل كان قد بدأ من قبل إدارة "كارتر" قبل عدة أشهر، وبخاصة مساعد وزير الخزينة "سي. فريد بورجستن"، الذي عبَّد الطريق لانتخاب "توم كلوسن" عبر المشاورات التي أجراها مع نظرائه في العواصم الأوروبية والآسيوية والأفريقية والأميركية اللاتينية الرئيسية. غير أن الأساس الحقيقي لرئاسة "كلوسن" كان قد وُضع قبل ذلك بعقود من قبل "ميار"، الذي وضع سياسات وهياكل مكّنت البنك من لعب دور مهم في أوروبا وغيرها في مرحلة ما بعد الحرب. وقد أعقب "ميار" أميركيون مرموقون آخرون، جلبوا الخبرات والإشعاع إلى البنك، وفي مقدمتهم "جون جي ماكلوي"، و"يوجين روبرت بلاك"، و"جورج ديفيد وودز"، و"جيمس وولفنسون". أما أنا، فقد عملت في المجلس خلال العام الأخير من رئاسة "روبرت ماكنمارا" للبنك. وكان "ماكنمارا" قد جاء إلى البنك حاملاً معه تركة حرب فيتنام؛ إلا أنه غادر بعد 13 عاماً، وهو محط إشادة وتقدير، حيث قال أحد المراقبين في حقه: "إنه مسؤول معروف بجده وتفانيه في سبيل البنك وقضية التنمية". وأستطيع أن أشهد على ذلك. لقد أدلى كل واحد من رؤساء البنك التسعة، من "ميار" إلى "وولفونسون"، بدلوه في إكساب المنصب القوة والزخم. صحيح أن بعضهم كان أفضل في الإدارة المالية والدبلوماسية مقارنة مع آخرين، إلا أنهم كانوا جميعاً يشتركون في صفة واحدة: سلوكهم كان فوق كل الشبهات. بيد أن كل ذلك انتهى مع "بول وولفوفيتز". ففي ولايته، أضحت قصةُ صديقة رئيس البنك حديثَ الخاصة والعامة. وبدلاً من التركيز على مهمة البنك الرئيسية المتمثلة في الحد من الفقر العالمي، يمضي "وولفوفيتز" وقتاً ثميناً في الرد على الاتهامات بالمحاباة وتضارب المصالح. ولذلك، فإن موظفي البنك ساخطون، وحلفاء أميركا مستاءون. وبموازاة مع ذلك، استعان "وولفوفيتز" بخدمات محام مشهور من واشنطن، "روبرت بينيت، من أجل تمثيله أمام مجلس تنفيذي ما من شك أنه سيبتهج جداً في حال اختار نائبُ وزير الدفاع الأميركي السابق ومهندس حرب العراق الرحيل رفقة الموظفين الذين انتقاهم. اليوم، نشاهد رئيس البنك الدولي يخرج مسرعاً من اجتماع ليدخل اجتماعا آخر؛ ويعترف بأنه "فقد الكثير من الثقة". بل إنه ذهب إلى حد أنه عرض الاستعانة بخدمات "متخصص" من أجل تعليمه كيفية التعامل مع موظفيه وعدم استعدائهم. إنه أمر محرج بالفعل. بل إنه مثير للغضب التفكير في الفرص التي أهدرها "وولفوفيتز"، والخطر الذي وضع فيه دور الولايات المتحدة داخل البنك. وفي غضون ذلك، يجادل محاميه بأن دور "وولفوفيتز" في زيادة راتب صديقته وإيجاد وظيفة مريحة لها في وزارة الخارجية في 2005 ليس بـ"العقوبة التي تستحق الإعدام". الأكيد أنه لم تُرفع ضد "وولفوفيتز" أي اتهامات بأنشطة جنائية؛ كما أنه من غير المتوقع، على حد علمي، أن تُرفع. أما ما إن كانت ثمة أخطاء أخلاقية من جانبه، فتلك مسألة سيَبُت فيها مجلس البنك. ولكن المؤكد هو أن "وولفوفيتز" تسبب في انحطاط الدور التقليدي الذي يلعبه الرئيس مع المجلس التنفيذي وكبار موظفي البنك إلى الحضيض. يتصادم الرؤساء والمدراء التنفيذيون في أحيان كثيرة حول السياسات والمسؤوليات. فقد اختلفتُ، حين كنت أعمل باسم الحكومة الأميركية، مع ماكنمارا على سبيل المثال حول وتيرة منح الصين مقعداً في البنك العالمي. غير أنه لم يحدث مرة أن كانت ثمة أزمة بين مدراء البنك ورئيسه على خلفية سلوك شخصي. وذاك صدع سيكون من الصعب رأبه؛ وعلى "بول وولفوفيتز" أن يعلم بهذا الأمر. كولبرات كينج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"