دون شك، إن هذا السؤال يخامر عقول الكثيرين من مواطني دول المجلس، فهل منظمتهم الإقليمية تسير نحو المزيد من التعاون أم العكس؟ وما هي الشواهد الدالة على ذلك؟ من ناحية تنظيرية تشير الأدبيات الخاصة بالتعاون الإقليمي إلى مسارين يسلكهما تطور الكتل الإقليمية، المسار الأول هو الحصاد الخاص بالشعور بالجماعية "نحن" فيما بين الأقطار المكونة للتكتل الإقليمي، والقائم على وجود تماثل في النهج السياسي والاقتصادي، وفي الثقافة والتاريخ والفلسفة الاجتماعية والقضايا الحساسة، المرتبطة بعناصر الإثنية كالعراق، والديانة واللغة والمنشأ الإقليمي والمذهب الديني. أما المسار الآخر، فهو المتعلق باعتراف الدول ذات الروابط المشتركة بوجود مصالح وعوائد وفوائد مشتركة حقيقية، من الممكن أن تنتج عن التعاون فيما بينها وبين دول أخرى، ومن إدراك أن استشراء عدم التعاون ربما يؤدي إلى كوارث أمنية واقتصادية أو كلتيهما معاً. وعلى شاكلة ما حدث في المناطق التي طورت دولها بالتدريج منظمات إقليمية فيما بينها خلال العقود الثلاثة المنصرمة، بناء على تماثل ظروفها الاجتماعية- الاقتصادية، فإن الدول الخليجية الست ذات أنظمة الحكم المتماثلة، لا ينقصها جانب التماثل الثقافي بمعناه الشامل، ولا التماثل المتعلق بالإرث السياسي والاجتماعي، وكنتيجة حتمية لذلك، فإن الشعور العام السائد في أوساطها، رسمياً وشعبياً، هو الرغبة في التعاون، وذلك بغض النظر عن وجود بعض المشاكل الجانبية العالقة فيما بينها. وفي تقديري، فإن ما يدفع هذه الدول بقوة إلى الشعور بالـ"نحن" فيما بينها في مواجهة العالم الخارجي إقليمياً ودولياً، هو أن منطقتها مستمرة في التعرض للحروب المدمرة منذ نهاية عقد سبعينيات القرن العشرين. لقد هيأت هذه الحالة من الشعور بعدم الأمن وبالأخطاء المحدقة، الظروف المناسبة لبروز نمط من التجمع الإقليمي فيما بينها. إن فحوى هذا التجمع، هو أن ترتبط الأقطار الستة ببعضها بعضاً برباط يؤدي إلى جهود تنمية مشتركة على الصعيدين الأمني والاقتصادي، وتنسيق عالي المستوى على الصعيد السياسي. وتوضح الانطباعات العامة السائدة في الوسطين الرسمي والشعبي، أنه إذا لم تنعم الأقطار الستة من خلال المجلس، بالمزيد من التعاون، فإنها ستواجه بأخطار تتعلق بالأطماع الخارجية، خاصة على ضوء سعي بعض دول المنطقة إلى التسلح النووي، وبالوجود والاستمرارية الخاصة بها ككيانات مستقلة، وبالتخلف، وبسلسلة لا منتهية من الحروب والأزمات. التطور الإيجابي السريع الذي يشهده المجلس، يعود إلى التعاون الذي أبداه أعضاؤه، إن تلك الروح التعاونية تبرر بروز المجلس وتشجع دوله على الدخول في فعاليات إقليمية تدعم مسيرته وتسطر له مستقبلاً أكثر إشراقاً وقوة يساعده على البقاء والاستمرارية. وعند التعامل مع المحفزات السياسية المحركة لتعاون دول المجلس، والنظر في إمكانية اتجاهها المستقبلي نحو المزيد من التعاون، فإن من الأجدى أن ينحصر الحديث في القضايا الأساسية، كالبنى التنظيمية للتعاون السياسي والأمني، وآليات حل أزمة الصراع والتطلعات الخاصة بأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى، وأسس التكامل المتعلقة بالاستقرار وإمكانية التنسيق فيما يتعلق بالتسلح الجماعي وتطلعات بعض القوى الخارجية دولياً وإقليمياً تجاه دول المجلس، ودور البعض من تلك الدول في مستقبل دول المجلس. تجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أنه في إطار العمل الخاص بالتعاون بين دول المجلس، لا توجد مشكلات حقيقية معيقة تتم مواجهتها من قبل منظمة إقليمية على نمطها، أي أنه لا توجد اختلافات على صعيد النظرة الأيديولوجية والتراث السياسي والاختلافات اللغوية، وعلاوة على ذلك فإن دول المجلس لا تواجه مشكلات جدية تتعلق بالتعددية العرقية والدينية في داخل كل مجتمع على حدة. ورغم الطرح المتفائل أعلاه، فإنني أعتقد أن الطبيعة المتغيرة الحالية للسياسات الدولية في المنطقة، تحتاج إلى البحث عن أطروحات ومقولات جديدة، وبنىً تنظيمية جديدة للتعاون السياسي والأمني والعسكري. وقد يوضح ذلك ما يلاحظ حالياً من محاولات تطوير البنى التنظيمية ضمن الإطار العملي للمجلس. إن ذلك يعكس ما يراه أعضاء المجلس من أن منظمتهم الإقليمية تحتاج إلى أجهزة إدارية فعالة تقوم بإصدار التوجهات وجمع المعلومات والأدلة على صحة تلك المعلومات، وبالبحث السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني والعسكري وبرعاية العلاقات العامة لمنظمتهم. لذلك فإن مسيرة المجلس المستقبلية تحتاج إلى إجراء الكثير من التغييرات على الأنماط الدبلوماسية التقليدية المتبعة، وذلك باستخدام كل ما هو جديد على صعيد الاختراعات التكنولوجية، وباستقطاب الكفاءات المواطنة للعمل في كوادر المجلس الوظيفية، وبتغيير طبيعة تأهيل الدبلوماسيين العاملين لدى المجلس سواء في مكاتبه في مقر رئاسته أو أولئك المبعوثين منهم إلى الدول والجهات الأخرى. إن إجراء هذه الأنماط من التغييرات والإصلاحات لابد لها أن تمد المجلس بحيوية وقدرة على العمل الجاد الذي يخدم في نهاية المطاف، أهداف الدول المكونة له، وأن تعطيه عمراً مديداً في خدمة المنطقة دولاً وشعوباً. إن مستقبل المجلس لو تحققت له كافة الإمكانيات المطلوبة يبدو مشرقاً، ولاشك بأن عرب الخليج قادرون على الحفاظ على منظمتهم ودعمها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. عبدالله جمعة الحاج المستشار الثقافي بسفارة دولة الإمارات العربية المتحدة - واشنطن -