لم يسطع "ضوء القمر" فوق تركيا.. ولم تتمكّن "الفتاة الشقراء" من الظهور في أنقرة. لسنا هنا بصدد قصة حب. ولكننا بصدد محاولتيْ انقلاب عسكريتين للإطاحة برئيس الحكومة رجب طيب أردوغان أعدتا في عام 2004. فقد أطلق أربعة من الجنرالات الذين أعدّوا الخطة على المحاولة الأولى اسم "ضوء القمر".. وعلى المحاولة الثانية اسم "الفتاة الشقراء". ولكن المحاولتين أُخمدتا في المهد لأن المخططين لم يتمكّنوا من إقناع عدد كافٍ من ضباط الجيش بالتعاون معهم. ولم يكن عدم التعاون يرجع إلى محبة أردوغان أو التعلق به، ولكن لاقتناع العسكريين بأن مزاج الرأي العام التركي لم يعد يتقبّل انقلاباً عسكرياً جديداً. عندما نشرت مجلة "نقطة" التركية الأسبوعية هذه الوقائع نقلاً عن مذكرات جنرال متقاعد، أصدر المحقق العسكري مذكرة للشرطة باقتحام مكاتب المجلة ومصادرة كل الوثائق المخطوطة أو المسجلة في الأجهزة الإلكترونية للمحررين العاملين فيها. كانت تركيا تتعرّض لانقلاب عسكري لأسباب أقل أهمية. وكانت أنباء الاستعداد للانقلاب تسبق وقوعه. وكان الناس يتقبّلون الأمر الواقع على مضض لما للمؤسسة العسكرية التركية من احترام ونفوذ معنوي. غير أن الأمور تغيّرت الآن. فالانقلاب أصبح ممنوعاً وحتى الأنباء عنه أصبحت محظورة.. ومجرد تداولها يسيء إلى سمعة تركيا كدولة ديمقراطية تتطلع إلى العضوية في الأسرة الأوروبية. فاللاعسكرتاريا أساس ثابت من أسس هذه العضوية. إلا أن العسكر يعتبرون أنفسهم ورثة أتاتورك في حماية العلمانية التركية. وهم يعرفون جيداً أن العلمانية هي أساس ثابت أيضاً من أسس العضوية في الأسرة الأوروبية. فكيف يمكن إذن تثبيت أركان العلمانية وتقليم أظافر العسكر في الوقت نفسه؟ وهل إن العلمانية لا تكون إلا بالفرض؟ أي هل أنها خيار يحدد هوية تركيا القرن الحادي والعشرين أم أنها تشويه للهوية التي تتمسك بها أكثرية الشعب التركي وهي الإسلام؟ فوق إحدى التلال التي تقوم عليها مدينة اسطنبول والمطلّة على القرن الذهبي وهو ممر مائي عميق متفرّع من مضيق البوسفور، تقوم أحياء إسلامية تعيد إلى الأذهان صورة حي القصبة في الجزائر.. أو حي القرويين في مدينة فاس في المغرب. فالمساجد على كثرتها مكتظة بالمصلين رجالاً ونساء وأولاداً. والنساء محجبات والرجال ملتحون، والدكاكين ملأى بالملابس الشرعية للرجال والنساء. أما المكتبات فلا تجد فيها سوى الكتب الدينية والسبحات.. ويقع في أسفل التلة المرتفعة المقرّ الرسمي التاريخي للبطريرك الأرثوذكسي حيث استُقبل البابا بنديكتوس 16 أثناء زيارته الأخيرة إلى تركيا. يشعر زائر اسطنبول بأنه في مدينة أوروبية.. إلى أن تطأ قدماه هذه المنطقة. فالمشاهد العامة تعود إلى أحياء وأزقة المدن الإسلامية التقليدية من باكستان حتى المغرب!! ومن هناك، من تلك التلّة انطلقت المظاهرة الضخمة احتجاجاً على زيارة البابا. ومن هناك أيضاً، من مقرّ البطريركية الأرثوذكسية أعلن البابا موقفه التصحيحي للمحاضرة المثيرة للجدل التي ألقاها في ألمانيا وتعرّض فيها بشكل سلبي للإسلام.. ومن هناك أيضاً، سحب البابا اعتراضه على انضمام تركيا إلى المجموعة الأوروبية، تاركاً لدول المجموعة نفسها أن تتخذ الموقف الرافض. هناك، في تلك المنطقة من اسطنبول، يمكن إدراك، على الطبيعة، إشكالية الازدواجية في الهوية التركية بين الإسلام والعلمانية. الإسلام الذي جعل من تركيا إمبراطورية.. والعلمانية التي فرضها مصطفى أتاتورك في عام 1923 ليجعل من تركيا دولة حديثة قادرة على اللحاق بأوروبا ثقافياً واجتماعياً. وتختصر معركة انتخابات رئاسة الجمهورية معركة الصراع على الهوية بين رئيس الحكومة الحالي رجب طيب أردوغان المتخرّج من المدرسة السياسية الإسلامية والممثل لها والذي رشح للمنصب رفيق دربه وزير الخارجية عبدالله غول، وبين الجيش الذي يعتبر نفسه الحصن الحصين للعلمانية. صحيح أن غول أقل إسلامية من أردوغان إلا أنه لا يمكن تصنيفه مع العلمانيين. يخشى العلمانيون الأتراك من الحجاب الإسلامي التقليدي الذي تحرص زوجة أردوغان على وضعه على رأسها باستمرار.. ويخشون أكثر مما هو كامن في رأس أردوغان نفسه من أفكار وتوجهات إسلامية. فإذا كان ما على رأس زوجته يدعو لقلق العلمانيين وفي مقدمتهم العسكريون، فإن ما في رأس الزوج يدعو للخوف، ولذلك رفعوا الصوت عالياً جداً ضد ترشحه لرئاسة الجمهورية علماً منهم بأنه إذا وصل إلى الرئاسة، فانه سيكون قادراً بحكم صلاحياته الدستورية ليس فقط على ممارسة حق النقض "الفيتو" على أي مشروع قانون، بل إنه يتمتع أيضاً بصلاحية اختيار رئيس أركان القوات المسلحة واختيار القضاة ورؤساء الجامعات. أي أنه سيكون قادراً علي الإمساك بالجيش والقضاء والتعليم، وهي المواقع الأساسية للصراع بين العلمنة والتوجهات الإسلامية. ولذلك خاض العلمانيون معركة مبكرة لقطع طريق الوصول أمام أردوغان إلى الرئاسة الأولى. وكان هاجسهم الأساس، الإجراءات ذات البعد الإسلامي التي اتخذها كرئيس للحكومة ومنها اعتبار الزنى جريمة، ومنها منح المدارس الدينية التي تخرّج الأئمة وخطباء المساجد مساعدات مالية من موازنة الدولة وذلك لأول مرة منذ عهد أتاتورك!!. بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، فعيّن إسلامياً رئيساً للبنك المركزي التركي. في الأساس لم يسقط أردوغان على رئاسة الحكومة بمظلة. لقد كان عضواً في "حزب الرفاه" الإسلامي الذي كان يتزعمه نجم الدين أربكان والذي اضطر إلى التخلّي عن رئاسة الحكومة تحت ضغط الجيش. وفي مهرجان شعبي أقيم في اسطنبول ألقى أردوغان قصيدة إسلامية عالية النبرة، اعتُقل على إثرها، وخرج من المعتقل إلى الانتخابات التي فاز فيها حزبه بالأغلبية في البرلمان. إلا أنه منع من الوصول إلى رئاسة الحكومة مدة أربعة أشهر، اضطر بعدها الجيش إلى رفع "الفيتو" عنه بعد أن غيّر اسم الحزب وحذف منه الصفة الإسلامية التي كانت تلازمه منذ إنشائه!. ولكن خلافاً لحسابات حماة العلمانية التركية ومدّعيها، حقق أردوغان إنجازات اقتصادية وسياسية باهرة لم ينكرها حتى خصومه. فالاقتصاد الذي وصل إلى الحضيض في عام 2001 عاد وانتعش من جديد حتى أن الدخل الفردي ارتفع ضعفين خلال السنوات الخمس الماضية. وأدخلت إصلاحات أساسية على أجهزة الجيش (عدم التدخل في السياسة) والشرطة والقضاء. أما سياسياً، فقد حققت المفاوضات مع المجموعة الأوروبية حول عضوية تركيا في المجموعة تقدماً ملحوظاً وإن عادت وتعثرت من جديد بعد سقوط الاستفتاء على مشروع الدستور الأوروبي الموحد في فرنسا وهولندا على خلفية معارضة دخول دولة إسلامية كبيرة (أكثر من 70 مليون نسمة) إلى المجموعة!. ولعل ما هو أكثر أهمية، هو عودة تركيا إلى تلمّس دورها في الشرق الأوسط بعد غياب ذاتي استمر عدة عقود.. ونجاحها الباهر في استعادة دورها في آسيا الوسطى. لاشك في أن هذه الإنجازات تعزز من مكانة أردوغان الشخصية، كما تعزز من شعبية حزبه، وهو أمر سوف تؤكده -أو تنفيه- الانتخابات العامة المقررة في شهر نوفمبر المقبل. لقد بات من الواضح الآن أن الرئيس أردوغان كان راغباً في أن يرشح نفسه لرئاسة الدولة. وبات واضحاً أيضاً أن الجيش والقوى العلمانية الأخرى كانت تعارض ترشيحه. بل إنها كانت تهدد بقلب طاولة السلطة رأساً على عقب إذا رشح نفسه. وبات واضحاً كذلك أنه امتنع عن ترشيح نفسه تحت ضغط هذه التهديدات. ولكن من شأن ذلك كله أن يعزز الآن من شعبيته الإسلامية، الأمر الذي ستؤكده نتائج الانتخابات المقبلة. فإذا فاز مرشح أردوغان الوزير عبدالله غول هذا الشهر برئاسة الجمهورية خلفاً للرئيس العلماني الذي يتمتع بدعم الجيش القاضي السابق أحمد نجدت سيزار، وإذا حقق حزبه الانتصار البرلماني المتوقع، فإن تركيا تكون قد حسمت أمر تحديد هويتها.. وتكون تالياً قد حسمت أمر تحديد دورها!