قبل 50 عاماً، بدأت كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج، في تنفيذ شراكة فريدة من نوعها حينما وقعت في مارس 1957 "معاهدات روما"، واضعةً بذلك حجر الأساس لتكوين الاتحاد الأوروبي. هذه الخطوة جاءت بعد أن أدركت أوروبا أفول نجم إمبراطورياتها مع نهاية الحرب العالمية الثانية, وتحول الولايات المتحدة الأميركية إلى اللاعب رقم واحد على مسرح السياسة الدولية. حينها، تحول الصوت الأوروبي إلى مجرد مركز لإصدار البيانات والتصورات النظرية. لقد تطلعت أوروبا، خلال احتفالاتها بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيس اتحادها، إلى المستقبل وتقديم رؤية واضحة للسنوات الخمسين المقبلة للمواطن الأوروبي، لكن ما يهمنا الآن هو كيف تعامل الاتحاد الأوروبي مع القضية الفلسطينية. فبعد هذه السنوات الطوال، ما زال السؤال المطروح: أين هو الموقف الأوروبي الصريح والجريء تجاه القضية الفلسطينية؟‍ وإلى متى ستبقى دول الاتحاد الأوروبي تكيل بمكاييل تأتي دائماً لصالح إسرائيل؟‍ بل ولماذا يتجاوز القرارات الدولية وحتى الأوروبية نفسها المتعلقة بالقضية الفلسطينية؟‍ مع بداية التسعينيات من القرن الفائت، أعلن كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عن بدء مشروع كبير يرمي لإحلال السلام في الشرق الأوسط والبحث عن طرق لتسوية المشكلات العالقة؛ كالقدس والمستعمرات/ "المستوطنات" واللاجئين والمياه وغيرها، إما بمفاوضات ثنائية أو جماعية تمهد لقيام الدولة الفلسطينية، فكانت فكرة عقد مؤتمر مدريد 1991. ثم عبرت الدول الأوروبية من خلال "بيان فلورنسا" في يونيو 1996 عن ضرورة قيام الدولة الفلسطينية وحذّرت من مخاطر التراجع عن العملية السلمية ودعمت أي مفاوضات جادة تؤسس لدولة فلسطينية قابلة للحياة، تعيش جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيلية آمنة. ولم تنسَ الدول الأوروبية، وهي تبلور موقفها بشأن الدولة الفلسطينية، وضع مسألة المساعدات ضمن هذا الإطار وذلك من خلال برامج محددة حملت عناوين إصلاح السلطة ومؤسساتها، مع تركيزها على إصلاح مرافق بعينها مثل منظومة القضاء، والمؤسسات المالية، وغيرها. ورغم بعض التعارضات الجدية الأوروبية/ الأميركية حول كيفية إدارة المواقف السياسية في فلسطين والعراق بل وفي المنطقة العربية عموماً، طالما اتسمت سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية في منطقة الشرق الأوسط بمنطق رد الفعل؛ سواء على الأحداث وبخاصة تصاعد العنف واندلاع الحروب، أو المبادرات والحلول الأميركية. لذلك لم ينظر الاتحاد قط لسياسته تجاه القضية الفلسطينية كسياسة مستقلة بذاتها، بل كان يتم النظر إليها بوصفها جزءاً من سياسة أشمل وأكبر قد تتسع لتشمل المنطقة العربية أو الشرق الأوسط بشكل عام، وهو ما تبين مؤخراً تجاه الملف النووي الإيراني والأزمة السياسية في لبنان. ففي اجتماعهم الأخير في بروكسل خلال فترة الاحتفالات باليوبيل الذهبي، تعهد قادة الاتحاد الأوروبي بالعمل مع حكومة وحدة وطنية فلسطينية جديدة بشرط أن تلبي مطالب "اللجنة الرباعية" الدولية حول الشرق الأوسط، حيث جاء في البيان الختامي لقمة الاتحاد الأوروبي أن "الاتحاد مستعد للعمل مع حكومة فلسطينية شرعية تتبنى برنامجاً يعكس مبادئ اللجنة الرباعية"، مشدداً على أنه إذا احترمت الحكومة الفلسطينية العتيدة هذه المطالب، فإن اللجنة الرباعية، وبالنتيجة الاتحاد الأوروبي، سيوافق على رفع الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني. وقد يبدو للوهلة الأولى أنه من المتعذر الحديث عن سياسة خارجية للاتحاد الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية خاصة مع عدم وجود ثوابت واضحة لأي سياسة خارجية شاملة للاتحاد، علماً بأن كل دولة على حدة تعتبر حل الصراع العربي- الإسرائيلي أولوية استراتيجية. من هنا، فإن الاتحاد الأوروبي يفتقد القدرة على صياغة مواقف تجاه الأحداث في الشرق الأوسط، ويبقى مجرد تابع وصاحب رد فعل دون سعيه لتقديم أي مبادرات لحل الصراع ولذلك نرى بوناً شاسعاً في مواقف دول الاتحاد نفسها تجاه القضية الفلسطينية. ففي الوقت الذي تتخذ فيه بريطانيا (إحدى أكبر الدول المؤثرة في الاتحاد) موقفاً لا يكاد يخرج من العباءة الأميركية التي تعمل مع المصالح الإسرائيلية، نرى الدولة الثانية المؤثرة أيضاً في الاتحاد، وهي فرنسا، تدعم وتقدم الكثير للشعب الفلسطيني، وقد لا يكون آخر دعمها موقف الرئيس جاك شيراك في اجتماع بروكسل نفسه حين حث زملاءه قادة دول الاتحاد الأوروبي على الترحيب باتفاق مكة لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية بوصفه خطوة في الاتجاه الصحيح، معتبراً أن فرنسا ترى ذلك خطوة أولى نحو تطبيق مطالب الرباعية. وبالفعل، يدرك الاتحاد الأوروبي أن السياسة الأميركية تجره معها لخدمة مصالح إسرائيل وتفرض عليه معارك خارجية ضد الإرهاب الدولي تارة، وضد ما يسمونه التطرف الإسلامي تارة أخرى ضمن سياسة متعمدة لتوريط دوله في حروب لا مصلحة للشعوب الأوروبية فيها. إن ساحة الشرق الأوسط (الجناح الشرقي للبحر الأبيض المتوسط) تشكل مع الساحة الأوروبية حوض الأبيض المتوسط بالكامل، الأمر الذي يفرض التكامل بينهما في قضايا الأمن والاستقرار والسلامة والتطوير والرخاء وحرية الشعوب. وإن نحن أردنا أن تعم كل هذه المسائل حوض البحر الأبيض المتوسط وليس الحروب وأعمال العدوان والتطرف، فالمطلوب هو التأثر والتأثير المتبادلان مباشرة بين الساحتين. ومع صحة الافتراض بأن مرتكزات النظام الجديد ستظل قائمة على ما يطرح من تحالفات هي بطبيعتها خاضعة لهيمنة طرف دون آخر، نجزم بأن الاتحاد قادر على اعتماد سياسة خاصة به بعيدة عن سياسة الإدارة الأميركية القائمة على الحروب والكوارث والاحتلالات والتعدي على الشعوب وحريتها وحقوقها والكيل بموازين مختلة لصالح طرف دون آخر... عندها ستحدث النقلة النوعية التي نتمناها. فدول الاتحاد الأوروبي قادرة على تغيير وجه العالم. فهي، بمكوناتها ومقوماتها، يمكنها أن تشكل، مع الصين وروسيا، قوة لا يستهان بها قادرة على إبطال مفعول "السحر" الأميركي الذي لم يجرؤ أحد حتى الآن على رفض إملاءاته. فالاتحاد الأوروبي يستطيع أن يلعب دوراً على المحورين السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط لما يملكه من معطيات ومقومات اقتصادية مؤثرة من جهة، وسياسات تنظم علاقاته الداخلية والخارجية من جهة أخرى. لكن في الوقت الحاضر من الصعب أن يكون هناك دور للاتحاد الأوروبي لأن هذا الدور بات مقروناً بالقرارات الإسرائيلية المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأميركية. فبدل أن يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً مبدئياً وحيادياً على أقل تقدير، نراه يتخذ موقفا أميركياً إسرائيلياً وإن بطبعة أوروبية. وهذا الحال سيبقى حتى يكف الاتحاد عن ممارسة المعايير المزدوجة في تعامله مع القضايا المحورية في المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وحتى يقوم كذلك بوضع نهج موحد للتعامل مع القضايا الدولية، بعيداً عن "بيت الطاعة" الأميركي.