شهدت بداية هذا الأسبوع، مسيرات ضخمة في شوارع العاصمة البريطانية، للمطالبة بتوفير حماية كافية للمدنيين في إقليم دارفور. ويزعم المنظمون أن مسيرات مماثلة، وبالترافق مع طائفة من الأحداث الإعلامية، ستقام في 34 عاصمة ودولة، لإحياء ذكرى مرور أربعة أعوام على بداية الصراع. ورغم أنه لا خلاف على ضرورة حماية المدنيين في درافور، وفي غيره من أماكن الصراعات المسلحة، إلا أن حجم وعدد تلك المسيرات، في وقت لم تحظَ فيه قضايا إنسانية أخرى بأية مسيرات شعبية أو تغطية إعلامية تذكر، لابد وأن يثير العديد من التساؤلات حول المصالح السياسية، وحول القوى الدافعة خلف هذه التعبئة الجماهيرية. فعلى سبيل المثال، شهدت الأسابيع القليلة الماضية تزايداً في حدة القتال بين القوات الإثيوبية وبين قوات المحاكم الإسلامية داخل العاصمة مقديشو، وهو ما أدى بدوره إلى سقوط أعداد كبيرة من الجرحى والقتلى، ونزوح مئات الآلاف هرباً من المعارك التي وصفها البعض بأنها الأشد خلال الستة عشر عاماً الماضية. ولكن لسبب أو آخر، لم تحتل هذه الأحداث مساحة تذكر في وسائل الإعلام الغربية، ولم تقم لها المظاهرات الشعبية في "هايد بارك كورنر" أو "وايت هول"، سواء لوقف القتال أو لحماية المدنيين. ويرى بعض الخبثاء أن السبب في ذلك، هو أن القتال الدائر حالياً في الصومال، يتم ضمن نطاق (الحرب الدولية على الإرهاب)، لمنع (الإسلاميين المتشددين) من الحصول على موطئ قدم في القرن الأفريقي. ولكن إذا ما كان هذا هو التفسير بالنسبة للصومال، فلماذا لم تقم الدنيا أو تقعد قبل أسبوعين، عندما عقدت المفوضية العليا للاجئين مؤتمراً في "جنيف"، أعلنت فيه أن عدد اللاجئين العراقيين قد وصل إلى أربعة ملايين، مليونان منهم نزحوا داخلياً، ومليونان آخران نزحوا خارجياً، وهو الوضع الذي ينطبق أيضاً على الكثير من مناطق العالم الأخرى. فبخلاف اللاجئين من الرجال والنساء، يوجد حالياً تسعة ملايين طفل لاجئ حول العالم، حسب تقديرات المفوضية العليا. هذه المأساة البشرية على حجمها، تتمتع بتغطية إعلامية هزيلة في أحسن الأحوال، ونادراً ما تقام لها المظاهرات والمسيرات. ومثل هذا التناقض، يمكن تفسيره من خلال كلمتين: نجوم هوليوود. فالمعروف والمؤكد، هو أن الثقافة الشعبية والاهتمامات العامة في العصر الحالي، تحكم اتجهاتها وأولوياتها بقدر كبير وسائل الإعلام الترفيهية، مثل السينما والتلفزيون. ولسبب أو لآخر، تؤرق قضية دارفور مضاجع الكثير من مشاهير ونجوم السينما. وإليك بعض الأمثلة. ففي مظاهرات الأسبوع الماضي، شارك الممثل البريطاني المعروف "هيو جرانت" من خلال بعض الصور التعبيرية. ورغم أن هذا الممثل ألقي القبض عليه قبل بضعة أيام بسبب اعتدائه على مصور صحفي، وقبل بضع سنوات بسبب ارتكابه فعلاً فاضحاً في مكان عام، إلا أنه لا زال يتمتع بشعبية واسعة بين المراهقين والشباب. وقبل ذلك بأيام، تبرع المغني البريطاني الشهير "إلتون جونز"، والمعروف عنه ميوله الجنسية (الخاصة)، ببدلة فاقعة الألوان، وزوج من الأحذية وقعت عليهم شخصياً الحسناء البريطانية "سيينا ميلر". أما الممثلة العجوز "ميا فارو"، الصديقة السابقة للمخرج والممثل اليهودي "وودي آلان"، وسفيرة النوايا الحسنة لمنظمة "اليونيسيف"، فبخلاف زيارتها لدارفور مرتين، وكتابتها للعديد من المقالات ونشرها للعديد من الصور عن الموضوع، قامت بتخصيص جزء كبير من موقعها الخاص على الإنترنت لإرشاد وتوجيه الناشطين في مجال حماية اللاجئين في دارفور. أما الممثل الشهير "جورج كلوني"، فقد تزعم مسيرة "أنقذوا دارفور" عام 2005 في "واشنطن"، ثم قام بزيارة للإقليم عدة مرات مع والده، وإلقاء خطبة أمام مجلس الأمن اتهم فيها الأعضاء بالفرجة على مذبحة تطهير عرقي، ثم زيارة الصين لحثها للضغط على حكومة السودان، وأخيراً زيارة مصر ولقاء وزير الخارجية أحمد أبو الغيط وزوجة الرئيس المصري وابنه لنفس الغرض. ولن يتسع المقام هنا لذكر قائمة نجوم ومشاهير السينما، الذين أخذوا على عاتقهم حماية السودانيين من بعضهم بعضاً، وإن كانت هذه القائمة لا يعلو عليها إلا قائمة الحضور في حفلات توزيع جوائز الأوسكار. ولذا يجب أن نتوقف هنا، وأن نتساءل عن سبب هذا الاهتمام غير المسبوق من عمالقة صناعة السينما الأميركية، في وقت لا تحظى فيه مآسٍ أخرى بقدر ولو يسير من الاهتمام. فحتى القضايا الصحية العالمية الأخرى، مثل الملاريا والإيدز والسل، والتي تحصد حياة الملايين من البشر كل عام، لا تحظى بنفس هذا القدر من اهتمام أبطال وحسناوات هوليوود. ويفسر البعض هذه الظاهرة، بأنها ربما تكون بإيعاز –بشكل غير مباشر غالباً- من اللوبي اليهودي، والمعروف عنه علاقاته الوطيدة والتاريخية بصناعة السينما في الولايات المتحدة منذ نشأتها. فلطالما حلم القوميون العرب بأن تصبح السودان -أكبر دولة مساحة عربياً وأفريقياً- سلة غذاء للعالم العربي، وهو العالم الذي تغطي الصحراء 90% من أراضيه، ويقلق الأمن الغذائي معظم حكوماته. وهو ما يجعل من تقطيع أوصال السودان، من الجنوب ثم من الشرق، هدفاً استراتيجياً إسرائيلياً. بينما يرى آخرون أن إقليم دارفور، مثله مثل جنوب السودان، يحتوي على مخزونات نفطية مهمة، في وقت تشكل فيه مصادر الطاقة الهم الأكبر لمخططي المستقبل في العالم الغربي. ومهما كان السبب، فالأكيد هو أن وحدة أرض وشعب السودان، لن تصمد طويلاً أمام حرارة الأضواء الهوليوودية.