نظل في حقل ثقافتنا العربية، أزمتها ومستقبلها، في ضوء معطيات لا تبشر بخير، بل تنذر بالمزيد من التراجع والانهيارات لمشروعنا الثقافي، حيث تتزايد رقعة انتشار العقلية الظلامية في ديارنا العربية- الإسلامية، وتنحسر إلى حدود الهزيمة أفكار التنوير والعقلانية والتغيير. نتحدث عن واقع الثقافة العربية، وعيوننا على المستقبل، لأن كل المؤشرات تحيل إلى مستقبل مظلم، سواء تعلق الأمر بثقافة شبابنا وسلوكياته وهويته، أو بجيل من الأطفال يتعرض لأشكال وألوان من الثقافة الاستهلاكية والهجينة. نركز اليوم على هذا الجيل لأنه هو المستقبل، ولأن الواقع الراهن ميؤوس منه، ولأن الجيل -جيلنا- الذي تربى على الأوهام "الوردية" في التغيير، قد سئم كل تلك الأوهام، وبدا ميالاً إلى شكل من الواقعية هو أقرب إلى حالة الاستسلام ومجاملة الخراب، فهل نستسلم ليأسنا، أم أننا ما زلنا نستطيع إنقاذ الأجيال القادمة من حالة اليأس التي بلغنا ذروتها؟ يتعلق الموضوع هذا، بعمل مؤسساتي كبير وخطير، ولا يمكن أن ينهض به فرد أو مجموعة من الأفراد، فالمطلوب لإنقاذ أجيالنا وثقافتنا وهويتنا هو التصدي لآلة إعلامية وثقافية ضخمة ومتوحشة، تمارس هجمة تستهدف الهيمنة على مقدراتنا وإمكانياتنا، مستخدمة كل الأساليب اللاأخلاقية في النهب والسلب، مستغلة في ذلك ضعف حضورنا العالمي، وهامشيتنا في التأثير على القرار الدولي. ومن هنا، يأتي تركيزنا على مدى أهمية دور شبابنا في مواجهة هذه الهجمة، ثم دورنا في تهيئتهم، وتهيئة أطفالنا أيضاً لهذا المستقبل. فما نتابعه في هذا المجال، وخصوصاً في مستوى حضور شبابنا في شبكات الإنترنت، ونوعية هذا الحضور كما تتبدى في المواقع والمدونات العربية، والخليجية خصوصاً، ومشاركاتهم التي تحتل حيزاً كبيراً فيها، يدل على هبوط عام وخطير، ويؤشر على عدم استفادة الشباب من هذه التكنولوجيا، بل على العكس فهم يستخدمونها في مجال التسلية الرخيصة حسب مقولة "مهارة لا تفيد أحداً"، التي جعلت أحد الخلفاء الراشدين (ربما كان عمر بن الخطاب) يأمر بمعاقبة من يمارسون مثل هذه المهارات، فهي ألعاب وحكايات ونكات شديدة السماجة والتفاهة، وتدل على القدر الهائل من السذاجة الذي يتمتع به شبابنا. ولا نستثني من هذه الحال أطفالنا الذين باتوا يقضون أوقاتاً طويلة أمام التلفزة والإنترنت، ويتلقون وجبات من "الثقافة" الهزيلة، ثقافة المسخرة والبذاءات والسخافة، فما الذي ننتظره من جيل كهذا، بما أننا لا نقدم له البدائل المقنعة التي تجعله ينصرف عن تلك المواقع المبتذلة، ويتجه إلى الثقافة الجادة التي تجعل منه إنساناً منتجاً ومبدعاً، لا مجرد كائن يستهلك كل ما تقدمه له تلك الآلة الجهنمية القذرة؟ لمواجهة هذه المخاطر، مطلوب مشاركة مؤسساتنا التربوية والثقافية والإعلامية، ومطلوب استخدام كل الإمكانيات التكنولوجية، من محطات تلفزة ومواقع وشبكات ومدونات إلكترونية، وتوظيفها في خدمة الثقافة الجادة، عبر توجيه الشباب والأطفال العرب نحو ما يغني ثقافتهم ويقوي شخصيتهم، ويسهم في بناء شخصية فاعلة وقادرة على الابتكار والإبداع، إذ لا يجوز أن تهدر الملايين لمجرد التسلية الاستهلاكية، في حين أن الكثير من شعوب العالم باتت تشارك مشاركة فاعلة في وضع بصمتها على هذه الوسائل التكنولوجية، فهناك دول فقيرة تتقدم علينا في مجال استخدامات التقنية وتوظيفها بما يخدم تقدم هذه الدول وتطورها، بينما نهدر نحن أموالنا في شؤون اللهو والترف والرفاهية التي لا تعود علينا بأية فائدة. هناك الكثير من الخطط الموجهة نحو تفعيل المؤسسات المعنية للقيام بدورها، ولكن هذه الخطط تبقى حبراً على ورق، وكلاماً من دون ممارسة، حيث ما تزال العقلية المحافظة والتقليدية هي التي تهيمن على مؤسساتنا، سواء في ما يتعلق بالمناهج التربوية، أو في ما يخص مستوى الانفتاح السياسي والاجتماعي، ما يعني استمرار المراوحة في المكان ذاته من محاولات التجديد والتغيير.. فمهما كان حجم التقدم على الصعيد الاقتصادي، يظل هذا التقدم ناقصاً ما لم يتزامن مع التقدم التقني. ونحن ما نزال نتقدم في عملية تنمية اقتصادية، بل مالية، دون أن يتوازى هذا مع أي شكل من أشكال التنمية السياسية والاجتماعية والثقافية. فالتنمية في هذه الحال ليست أكثر من حالة مرضيّة من الاستثمار المالي الذي لا يمكن أن ينتج ما نسعى إليه من التنمية الشاملة والمستدامة التي يتحدث عنها الجميع. فالتنمية الشاملة والمستدامة المطلوبة لا تتم بالسعي إلى الربح السريع الذي تمارسه شعوبنا، بل لابد من استراتيجية حقيقية لبناء الإنسان، بناء العقل أولاً، وبناء الروح أيضاً، هذا البناء الذي يتطلب تدخل المؤسسات المعنية، ولنبدأ بشبابنا وأطفالنا، بدءاً بالتربية المنزلية/ الأسرية، ومروراً بالمدرسة ومناهجها، وصولاً إلى الثقافة العامة المقدمة عبر وسائل التثقيف في التلفزة والإنترنت، بما يكفل ثقافة نوعية تسهم في بناء شخصية فاعلة قادرة على المشاركة في بناء مجتمع متطور، يمتلك القدرة الإبداعية ووضع بصمته في الثقافة العالمية.