ليس كافياً أن ترسم دول الخليج العربية سيناريو وحيداً، في مواجهة احتمالات مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، لما يلف هذه العلاقة من تعقيد وغموض شديدين، منذ ما يقارب ربع قرن. وإذا كانت بعض دول مجلس التعاون، قد كشفت مؤخراً عن استعدادها لمواجهة مخاطر حرب أميركية محتملة ضد إيران، يكون من المهم في المقابل إعداد سيناريو آخر، يسميه البعض "عكسيا"، في مواجهة ما يمكن أن يحصل إذا تم فتح حوار بين إيران والولايات المتحدة، وتم التفاهم والاتفاق فيما بينهما، والآن هناك كثير من المؤشرات لإمكانية حدوث ذلك. بل إن البعض ممن يراقبون تطور الأحداث في المنطقة، يبالغون في التخيل بسبب صعوبة التكهن بمسار هذه العلاقة التي رغم أنها مقطوعة رسمياً، إلا أنها كانت مستمرة في ملفات كثيرة من وراء الكواليس والتاريخ يحفظ بعضها، ويؤكدون أنه من المهم وضع سيناريو مغاير لأي تصعيد عسكري محتمل بل ووضع سيناريو يستطيع التعامل مع الفترة التي تعقب أي حرب محتملة بين أميركا وإيران، لأنه بعد تلك الحرب ستفتح مرحلة جديدة من العلاقات بين "العدوين"، على اعتبار أن الحرب في الأخير أداة لتحريك الموقف وحله. تقدم الأميركيون والإيرانيون في ملف المواجهة النووية خطوة إلى الأمام في الأيام الأخيرة، الخطوة جيدة بالنسبة لطهران وواشنطن ومفاجئة بالنسبة لنا كخليجيين، وهي خطوة متوقعة لدى الكثيرين، في طبيعة العلاقة القائمة على مبدأ المصالح المشتركة، رغم كل ما يعتريها من توتر وقلق، يشتد حيناً ويخفت حيناً آخر. واتفقوا على أنه لا بد من الحوار أخيراً، وبعد أن كانت إيران ترفض حضور "مؤتمر شرم الشيخ" بشأن العراق أعلنت أنها ستحضر ما يؤكد أن بعض مطالبها في مناقشة قضايا أخرى غير العراق ربما تحققت. وترافق مع هذا التطور، تراجع واضح للحديث عن المواجهة، منذ انتهاء محادثات أنقرة، نهاية هذا الأسبوع، بين المنسق الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية "خافيير سولانا" ورئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني. "شعرة معاوية" التي كانت مشدودة بين الطرفين، منذ فترة قاربت السنتين حتى ظن البعض أنها ستنقطع من كثرة التراشق الكلامي والاتهامات المتبادلة والتهديدات باستخدام كل أنواع القوة الخشنة والناعمة. وقد جاء تدخلُ الاتحاد الأوروبي ليحافظ على قوة هذه الشعرة، وفي نظر البعض فإن هذا التدخل كان "نقلة" منتظرة بل ومأمولة ومن طرفي الأزمة ليحفظ كل منهما ماء الوجه ويصور الخطوة المقبلة بأنها انتصار لوجهة نظره. يدرك العارفون بطبيعة العلاقات الأميركية-الإيرانية منذ عام 1979، بأن "صعوبة التكهن" هي ما يميز مسار العلاقات بين طهران وواشنطن، ففي كل مرة يتوقع أحد أن يحصل شيء ما، تأتي النتيجة عكس ما هو متوقع. وفي الوقت الذي لم يكن فيه أحد يظن أن تفلت إيران من الضربة العسكرية الأميركية وأن البرنامج النووي الإيراني سيكون من الماضي، لحجم الضغوط وحالة الاختناق التي كاد كل من يعيش في المنطقة يشعر بها من فرط ذلك الاختناق، حتى أن بعض الدول بدأت تستعد لحدوث المواجهة الإيرانية- الأميركية. وقلةٌ همْ من يعتقدون أن مسار العلاقات بين الدولتين لن يختلف عما كان عليه منذ الثورة الإيرانية، حيث يشد كل واحد منهم ويتشدد في موقفه لحين يصل الأمر إلى "حافة الهاوية" في سبيل الحصول على أكبر المكاسب وأقل التنازلات، ومن ثم يجلسون ويتناقشون. والأيام المقبلة ربما تكشف مزيداً من المرونة الأميركية تجاه إيران. والكثيرون يرون في لقاء، سولانا ولاريجاني، تعبيراً عن استعداد واشنطن لبدء الحوار مع طهران، لأنه لم يكن للاتحاد الأوروبي نية في استئناف الحوار مع الإيرانيين دون موافقة من واشنطن وأن الأمر ليس استعراضاً أميركياً أو أوروبيا ولا مناورة دعائية. الغموض والتعقيد في العلاقات بين البلدين، يستوجبان منا كخليجيين صياغة سيناريوهات تستجيب لأي احتمال وليس احتمال الحرب فقط.