قبل أسبوعين تقريباً تم الإعلان عن استراتيجية الحكومة الاتحادية في الإمارات... وقبلها بعدة أسابيع كان الإعلان عن استراتيجية حكومة دبي... وقبل ذلك ومنذ أكثر من عام كانت أبوظبي قد أعلنت عن الملامح الرئيسية لاستراتيجيتها... ومن خلال التغييرات التي نراها في العاصمة منذ أشهر ومن خلال فرق العمل التي تعمل في كل قطاعات الحكومة المحلية يتضح أن هناك خطة محددة يدفعها القائمون على شأن التطوير والتحديث للانتقال بأبوظبي من مرحلة إلى أخرى. والقرارات التي تصدر تباعا فيما يخص تنظيم شؤون الإمارة، هي جزء من استراتيجية تم وضعها وهناك فريق يعمل على تنفيذها... وقد لا نفاجأ بالإعلان عن تفاصيل هذه الاستراتيجية... فما يحدث في أبوظبي من تغييرات لا يمكن إلا أن يكون وفق أسس ومعايير وأهداف محددة سلفاً ويتم تنفيذها خطوة خطوة... ويبدو أن ما يريده المسؤولون في أبوظبي للتغيير الذي بدأت ملامحه تظهر أن يكون تغييراً بلا حدود من حيث الحجم... وأن تكون الانطلاقة بلا قيود من حيث إيجاد أفكار جديدة تخدم متطلبات المرحلة المقبلة... إرهاصات الاستراتيجية تبدو واضحة وخطوات التغيير في العاصمة أبوظبي كثيرة وعمليات التطوير والإحلال أيضاً تسير بوتيرة منتظمة... إنها "أيام التغيير" فوجوه نعرفها وألفناها وحفظناها تختفي ووجوه أخرى تظهر من وراء الستار وبعضها يظهر لأول مرة... إنها سنّة الحياة وهذه متطلبات الانتقال من مرحلة إلى أخرى... البعض يتفاعل مع هذه التغيرات والبعض الآخر يعتبرها غير مبررة... لكن لا يمكن لأي أحد أن يصدر حكماً مطلقا على ما يحدث، فالأمر بالنسبة للبعض قد لا يبدو واضحاً، لكن من يريدون تقييم عمل ما يجب أن يعرفوا أنهم كمن يسير في كتيبة مشاة، كلما كان قريباً من المقدمة كانت فرص معرفته بما هو أمامه أفضل والعكس صحيح... وبما أن البعض يكونون في الجزء الذي لا يمكنهم أن يروا من خلاله أمامهم فإنهم يقبلون بترك القرار لقائد الكتيبة الذي يكون في مقدمة الركب، فالصورة أمامه واضحة وكاملة والطريق معروف بالنسبة له، كما يعرف كيف يختار رجاله ومهماتهم... إنها مرحلة جديدة تحتاج إلى كثير من المرونة والايجابية والتفاعل. ويفترض في مثل هذه الظروف أن يتخلى الإنسان عن افتراضاته "وتحليلاته" وانطباعاته وأحكامه المسبقة على الأمور والأشخاص وأن يكون مستعداً لتقبل الواقع الجديد حتى يستطيع أن يرى الأشياء على حقيقتها... وحتى يكون جزءاً من عملية التطوير وشريكاً في الإنجاز... وكما يقال: "الحياة هي ما يحدث بينما أنت منشغل بوضع خطط أخرى"... وهذه هي الحقيقة، ففي كثير من الأحيان ننشغل بأمور نعتقد أنها مهمة وأنها محورية لكننا نكتشف أننا بعيدون عما هو مهم بل وعما يحدث. من هم غير مقتنعين بالتطوير والتغيير والسير على استراتيجية واضحة، يجب أن يدركوا أن المشكلة ليست في من يغيرون ويطورون ومن يعملون ويسهرون من أجل تنفيذ مشاريع جديدة للبلد وخلق علاقات متميزة مع دول العالم... يجب أن يدركوا أن الخلل في عقولهم التي ترفض استيعاب ما هو جديد وتتمسك بما هو قديم أو قائم، لذا فمن المهم لهؤلاء أن يقتنعوا بأن "تغيير عقولهم هو الخطوة الأولى الأكثر فعالية كي يستطيعوا أن يخطوا نحو تغيير عالمهم"... فمن يريد أن يغير فعليه أن يغير عقله ومن يريد أن ينجح مع التغيير كذلك مهم أن يغير عقله... فكم منا مستعد لذلك؟ لاشك أن المستعدين هم القادرون على تحقيق الإنجازات والسير قدماً إلى الأمام... وهؤلاء هم الذين يمكن الاعتماد عليهم. لا أحد يستطيع أن ينكر أن "معظمنا منح نعماً أكثر من قدرته على التلقي" لذا يجب أن لا يتذمر أحد عندما يكتشف أنه لم يعد باقيا في منصبه.. وأنه لم يعد يملك شيئاً ليس لأنه لم يحصل على شيء وإنما لأنه أضاع في سنوات عمره الكثير من الفرص المهمة. يجب أن لا يستمر البعض في وضع المشكلات الكبيرة أمام أعينهم ويتوقفوا عن العمل بحجة أن هذه المشكلة موجودة وأن كل من أراد حلها فشل في ذلك... فكما قال كارل جوستاف يونج: "المشكلات الكبرى في الحياة لا يمكن حلها أبداً بل يجب الارتقاء فوقها بالوصول إلى مستوى جديد من الوعي والإدراك"... فالمشكلة التي لا يمكن حلها يجب التعامل معها من أجل الوصول إلى حل لها في يوم ما وليس الانتظار –كما يفعل البعض- وتكون النتيجة أن المشكلة تبقى على ما هي عليه وهؤلاء لا يتقدمون خطوة إلى الأمام. البعض يجري ويجري ويسرع في الجري كأنه يريد أن يلحق بكل شيء وينجز كل ما هو مطلوب منه في لمح البصر حتى يقال إنه أنجز في زمن قياسي... وهذا الإنسان يعرض نفسه للخطأ... فالإتقان مهم بقدر ما أن الإنجاز بسرعة مهم أيضاً... ومن أجمل العبارات التي قرأتها مؤخراً وهي حكمة قيمة يجب أن يعمل بها الجميع: "لا تبدأ يومك أبداً بالعدو والعجلة وبدلاً من ذلك ابدأ اليوم بحيث تكون واثقاً أنك عندما ترقد على فراشك في المساء ستكون قد أنجزت بعضاً من الأعمال المهمة"... في هذا العالم السريع والمتسارع في تغيراته وتطوراته نحتاج بعض الأحيان إلى الهدوء وإلى إبطاء عجلة الحياة حتى نعرف أين صرنا... وكيف فعلنا... وحتى نجد متسعاً من الوقت لتدارك أخطاء قد نقع فيها... فعندما يكون الإنسان ساكناً تكون قدرته على فهم الحياة وما يدور حوله أكبر وأقوى... فليس عيباً أن "نستمتع" أحياناً بقليل من السكينة لضمان قدر أكبر من النجاح وقدر أقل من الخطأ... مع التأكيد على عدم إضاعة أوقات إضافية على أوقات السكينة. لكل من يعمل بجد وتفانٍ، هناك رسالة يجب أن يحفظها مهما كانت الصعاب ومهما كانت الانتقادات ومهما زادت الحفر والمطبات أمامه، فعليه أولاً وأخيراً أن يفخر بما أنجز... وأن يقدر كل عمل يقوم به وأن يضع أمام عينيه الهدف الكبير الذي مهما بدا بعيداً فإنه ساعة تحققه سيكون قريباً وسيكون إنجازاً رائعاً يستحق الافتخار به... وهذه مرحلة لا تتكرر كثيراً وفيها تتاح الفرصة للجميع كي يثبتوا مدى إيمانهم بأبوظبي وبقدرتها على تحقيق أهدافها وتنفيذ خططها ومشاريعها. لقد عرفنا ما يخص الموظف أما الحكومة فمطلوب منها شيء واحد... وهو أنها عندما تستغني عمن لا تريدهم من مسؤولين أو حتى موظفين عاديين أن تنفذ هذا الأمر –الاستغناء- بطريقة مقبولة... ومهما كان سبب الاستغناء فبلا شك أنه سينفذ بحق شخص قدم ما لديه حسب مقتضيات وظروف معينة وأوضاع محددة.