لا شك في أن كل من يدخل إلى الأسواق يواجه من أنواع البضائع والسّلع في دقائق ما لم يواجهه ابن بطوطة طوال حياته. ولو كانت في أيام هذا الرحالة أسواق اليوم وخياراتها، لاكتشف العالم كله دون أن يسافر إلى أي مكان.
إنه فرق هائل في عدد الخيارات المتاحة. إن المستهلك اليوم يقف أمام تشكيلة مذهلة من كل ما يخطر على البال من أنواع الطعام والثياب والألعاب والمراكب والدواب والكتب وبرامج الكمبيوتر والقرارات. وقد أتحفنا الأوائل بمثل يقول: إن أردت أن تحيّره فخيّره. ولذلك أصاب الناقد الأميركي (جوناثان كيتس) حين قال إن الأخطار تحدق بنا في نعيم المجتمع الاستهلاكي الذي انقلب جحيماً بفعل كثرة الخيارات.
وليس الوقت المهدور في اتخاذ القرارات إلاّ إحدى التكاليف الخفية التي تقتضيها الوفرة وكثرة الخيارات، على حد قول (باري شوارتز) في كتابه الجديد الذي نعرض له هنا.
يقول (شوارتز)، وهو متخصص في علم النفس الاجتماعي إننا (مغرمون بالحرية والتنوع وتقرير المصير ) وحرية الإرادة، ونتخلى عن خياراتنا الأخرى على مضض، وإن تشبثنا بها كلها بعناد كبير يساهم في القرارات السيئة وتوليد (القلق والضغط النفسي وانعدام الرضا بل وفي الإصابة بالاكتئاب السريري أيضاً)·
ولو كانت الحياة تقتصر على تسوّق الشوكولا أو اتخاذ قرار في شراء دجاجة، لكان هذا الزعم يبدو في خانة المبالغة، إن لم يكن في خانة السخف والعبثية. لكن الكتاب يقدم توثيقاً رائعاً ومنهجياً لهذا الموضوع، ويكشف لنا بالمهارة ذاتها التي تميز كتب المؤلف الستة الأخرى أننا في حياتنا ندخل إلى (سوبرماركت) افتراضية للخيارات عندما نريد مثلاً أن نتخذ قراراً بشأن المكان الذي نريد أن نعيش فيه، أو الجهة التي نريد أن نعمل لحسابها، أو حتى بشأن مظهرنا الخارجي. ومن المعلوم أننا، على رغم الاستقلال الذاتي التام الذي يتمتع به البعض منا، نجد أن الكفاءة والفعالية التكنولوجية ومبدأ عدم التدخل تفتح بمجملها باباً إلى ساحة كبيرة من الخيارات لم تكن موجودة على الإطلاق في الماضي.وقد قيل إن هناك تقارير كشفت أن الأميركيين أكثر شعوراً بالتعاسة والشقاء مما كانوا في أي وقت مضى. لكن تناقص السمات التشخيصية المترافقة مع الاكتئاب، يعني أن البشر يصيرون أكثر انفتاحاً حول عدم شعورهم بالارتياح، بل ومن الممكن أيضاً أن يتشجعوا أكثر لاعتبار أنفسهم مصابين بالاكتئاب عندما يتلقى هذا الموضوع قدراً كبيراً من الاهتمام في وسائل الإعلام.
لكن (شوارتز) يسوق الحجج التي تؤكد وجود ترابط بين حالتنا الانفعالية (العاطفية) وما أطلق عليه تسمية (طغيان الاختيار). على أن هذا يثير في النفس القلق والاضطراب بحكم مقتضياته وانعكاساته. فهناك توقعات لا تتحقق ولا نستطيع تلبية مقتضياتها، وهناك ندم يكتسح نفوسنا بسبب الطريق الذي لم نسلكه، وفوق ذلك هناك الأخطار التي تحدق بالفرد منا بسبب العيش في مجتمع استهلاكي متعدد الخيارات، وهي أخطار تتنافس من حيث العدد، مع أنواع الثياب-مثلاً- المعروضة في المتاجر، أو عدد الخيارات المهنية المتاحة أمامنا.
وهناك أيضاً المشكلة التي تقدم دفعاً إلى هذا الشعور بالضيق والانزعاج وتثير في النفس شعوراً بالقلق، وهي تتجسد في أن (كل شيء يعاني من (داء المقارنة))· وهنا يقدم (شوارتز) في معرض شرحه لهذه النقطة الحساسة وصفاً لإحدى التجارب البسيطة التي جرى فيها طرح السؤال التالي على الأفراد المعنيين بالتجربة: هل تفضّل أخذ 100 دولار بطريقة مباشرة، أم تريد المقامرة للفوز بـ200 دولار بلعبة الحظ وعلى مبدأ (طرّة أم نقش)؟ وقد يبدو مستغرباً للوهلة الأولى أن تختار الأغلبية الساحقة من هؤلاء أخذ 100 دولار على نحو مباشر. لكن تفسير اختيارهم هذا في غاية البساطة: رأى هؤلاء أن احتمالاً قدره 50% للفوز بمبلغ 200 دولار في لعبة الحظ يساوي بحكم الرياضيات وعلم الحساب احتمالاً قدره 100% للفوز بمبلغ 100 دولار (50=100، و100=200)·
وقد لا يشك المرء هنا في أن نصف الأشخاص في التجربة سوف يميلون إلى اختيار لعبة الحظ، لكن الخيارات والبدائل المتاحة ليست متكافئة ولا متعادلة في حسابات السيكولوجيا. ويعني ذلك أن الحصول على ضعف المبلغ لا يعادل الحصول على ضعف مقدار السرور والرضا. ومن المنطقي أن نقول هنا إن المسافة بين الصفر ورقم 100 أكبر -من الناحية الذاتية- من المسافة بين الرقم 100 والرقم 200·
وقد لفت علماء الاقتصاد الانتباه إلى هذه الظاهرة بصياغة قانون (تناقص المنفعة الحدّية) وزودونا بالمعادلة اللازمة لحسابها. والمنفعة الحدية هي المنفعة -أو درجة الرضا- الإضافية التي يأخذها المستهلك من استهلاك الوحدة الأخيرة من سلعة ما. ويقضي هذا القانون بأن المنفعة الحدية لسلعة ما تتناقص، بالنسبة إلى مستهلك واحد، مع استهلاكه لكل وحدة إضافية من السلعة. ويعني ذلك في الحسابات السيكولوجية أننا نحتاج إلى رصد مبلغ 240 دولارا مثلاً -بدلاً من 200- لكي نشعر، في لعبة الحظ، بالدرجة ذاتها من الإغراء. وقد يسأل سائل هنا: كيف يرتبط هذا الل