يخطئ من يعتقد أن معطيات وأساليب الفتنة الكبرى التي أطلت برأسها في العهد الراشدي الإسلامي، وأبقت الأمة في صراعات حتى يومنا هذا، كانت حدثاً تاريخياً لايمكن استنساخه· إذ أن كل معطياتها وأساليبها، وفي مقدمتها كلمات الحق التي يراد بها الباطل والتعصب الأعمى للرأي وعدم الاستماع للآخر، والتكفير المبتذل والانحياز لسلطة الجاه والمال ورفع المصاحف فوق أسنة الرماح للإلتفاف حول حقوق العباد، تمارس اليوم في ساحات الاختلافات بين النخب الفكرية العربية·
أولاً: في المؤتمرات وحلقات النقاش يحضر المؤتمرون لا ليناقشوا الأوراق المطروحة للبحث والتحسين والإغناء ولكن لإلقاء محاضرات لا رابط بينها وبين موضوع النقاش، ويشعر الإنسان بأن هذا المتكلم أو ذاك قد أغلق أذنه وعينيه وفكره فتكون النتيجة إنقلاب سير النقاش الى خطوط متوازية لا تلتقي قط لتتفاهم وتنتج فكراً خصباً جديداً أو تتصادم بموضوعية لتحسم المعركة· وتبقى المواقف المسبقة هي السائدة في النهاية لأن الحوار الخلاق لم يبدأ قط·
ثانياً: في الملاسنات عبر الصحف لاتناقش الإختلافات ويصار الى مهاجمة مايعُتقد أنه خاطئ، وهذا حق وواجب· وإنما يتم النقاش عبر شخصيات الكتابة· فالذي يقف مع السلطة يخون الأمانة حتى ولو كان واضحاً أن لا مصلحة شخصية له من وراء ذلك، والذي يـــرى أعماق المسائل ولا ينخدع ببهلوانيات السلطة هو أيديولوجي جامد يعيش الماضي· والذي يقول مايعتقده منطقياً بالنسبة للحالتين هو متذبذب سطحي لايرتبط بمبادئ وقيم· ومن هنا تظل المساجلات عبارة عن استقطاب وتخندق وراء متاريس من الأوهام العقائدية أو من المصالح الفئوية والشخصية، وما أبشع الانتهازية عندما تلبس لباس الفكر·
ثالثاً: في خلافات الكتب يعجب الإنسان من العنف المعنوي الذي يمارسه البعض ضد البعض الآخر· فمن اتهام باستعمال أفكار الآخرين، مع أن ذلك يحدث عبر تاريخ الفكر الإنساني كله، الى استهزاء لعدم المعرفة بالأفكار الحديثة، مع أن اللغو في الكثير من الجديد تشهد عليه صناديق المزابل المملوءة بالصرعات الفكرية التي ذبلت وماتت· ودون ذكر لأحداث محددة فإن الإنسان يعجب كيف يستحيل اكتشاف نقل بسيط من هنا أو هناك إلى فضحية كبرى تسقط كـل منجزات ذاك الشخص الفكرية الرائعة·
رابعاً: وبالطبع لايحتاج الإنسان إلى استذكار مايحدث أحياناً فوق منابر المساجد والمآتم من ادعاءات بالقدرة على معرفة النوايا وماتخفيه الأنفس، أو ما يشاهده الجميع على شاشات المحطات الفضائية من اقتراب المنتدين من تشابك الأيادي بسبب الغمز واللمز·
إذا كنا حقاً نريد الانتقال بهذه المجتمعات العربية المفجوعة إلى آفاق الديمقراطية الحقة العادلة فإننا يجب أن نعي أن أول مستلزمات الديمقراطية وجود حوار عام شامل قبل الانتقال إلى التبني أو التنفيذ· بل إن غياب الحوار يعني أن تلك الديمقراطية منقوصة وشكلية تمارسها القلة المتسلطة· فإذا كان المثقفون لا يتحاورون إلا بهذه الطرق البليدة فكيف الحال مع أفراد المجتمع العاديين؟
إن اختلاف وجهات النظر ضرورية، بل واجب ورحمة، إن هي ابتعدت عن أجواء الفتنة وممارساتها البشعة· وما أكثر الذين يريدونها فتنة مشتعلة لإحداث الفوضى في عقول الناس·