كل عام وأنتم بخير. هذه العبارة تتردد بلغات مختلفة وأوقات مختلفة ما لا يقل عن 17 مرة في كل عام. فأعياد رأس السنة مهرجانات متنقلة حول العالم. عيد رأس السنة الميلادية 2004 أول الشهر الماضي ليس أوسع احتفالات العام، ولا هو أكثرها عراقة أو أضبطها. أوسع مناسبتين للاحتفال بالسنة الجديدة هما عيد رأس السنة الهجرية 1425 في الأول من شهر محرّم المصادف 22 فبراير الحالي، وعيد السنة الصينية الجديدة 4957، الذي يُختتم اليوم. لا تتوفر معلومات أو أرقام عن عدد المحتفين بالعام الهجري الجديد في العالم الإسلامي، الذي يضم أكثر من مليار شخص. لكن احتفالات رأس السنة في الصين التي استغرقت أسبوعين مناسبة لجمع شمل أعضاء الأسر العاملين في أرجاء مختلفة من بلدهم والعالم. وتقدر وزارة النقل الصينية أن الصينيين قاموا خلال العيد بمليار و700 مليون رحلة بالسيارات و137 مليون رحلة بالقطارات و26 مليون بالزوارق ونحو 11 مليون رحلة جوية.
وهناك أكثر من 10 أعياد رأس سنة أخرى مقبلة، بينها العام الإيراني (نوروز)، الذي يحتفل به الأكراد أيضاً ويصادف 21 مارس (آذار) المقبل، والعام البورمي في 15 أبريل (نيسان)، والعام القبطي الأثيوبي في 11 سبتمبر (أيلول)· وأسماء الشهور المؤطرة هنا بأقواس يستخدمها سكان بلدان المشرق العربي، كالعراق ولبنان وسوريا، التي شهدت أول الاحتفالات في العالم بأعياد رأس السنة. هذه الشهور تدلّ، كأسماء الشهور خارج الأقواس على التقويم الميلادي، الذي وضع أصوله المصريون القدماء، ودوّن وثيقة إصلاحه، كما سنرى عالم سوري في منتصف القرن السادس عشر ومنها تُرجم إلى اللاتينية.
والتقويم بمثابة ساعة تدق مرة واحدة في السنة، وبه تتحدد الأعوام. التقويم الصيني، الذي يتبعه اليابانيون والكوريون أيضاً اسمه (ين يانغ لي)، وفيه يحمل كل عام اسم حيوان معين. العام الحالي هو عام (شين) ويعني القرد، ويتفاءل به الصينيون، الذين حققوا العام الماضي قفزة مذهلة أخرى في النمو الاقتصادي بلغت أكثر من 9 في المائة. وكل الأعوام، كما يبدو تجلب الحظ للإقتصاد الصيني الذي لم يتوقف، رغم ركود الاقتصاد العالمي عن تسجيل أرقام قياسية في النمو. حدث هذا في عام (تسه)، وهو الفأر، وعام (ماي)، الأرنب، وعام (تشاو)، الثور، وعام (ين)، النمر، وعام (سي)، الأفعى)، وعام (سين)، التنين، وغيرها من أعوام 12 حيواناً تؤرخ للتقويم الصيني.
وهدف التقاويم قياس الوقت، وهي تعتمد جميعاً على قياس ظاهرة تتكرر بانتظام في الطبيعة. التقويم الهجري، الذي يؤرخ لهجرة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة قمري، يعتمد على حركة القمر حول الأرض. والتقويم الميلادي، الذي يؤرخ لميلاد السيد المسيح عليه السلام شمسي، يحدد الشهور على أساس حركة الأرض حول الشمس. حتى التقويم الذري المعتمد رسمياً في العالم منذ عام 1967 يعتمد على حركة الذرات داخل عنصر نادر اسمه (السيزيوم). فالذرات، التي تتكون منها مادة جميع الأشياء في الطبيعة، بما في ذلك البشر والمعادن والأشجار والمياه والكواكب والنجوم تنبض بانتظام دقيق خلال امتصاصها وإطلاقها للطاقة. وتبلغ عدد نبضات عنصر السيزيوم المعتمدة مقياساً عالمياً للوقت 91912613770 نبضة في الثانية.
وتضبط الساعة الذرية الوقت إلى حد جزء واحد من مليار جزء من الثانية. مع ذلك ما يزال قياس الوقت معضلة عويصة، كما كان في عصر السومريين، الذين ابتدعوا أول الحسابات الرياضية للوقت. سبب ذلك ليس السومريين أو عنصر السيزيوم، بل حركة الأرض وكواكب المنظومة الشمسية. وهذه من المواقف التي تصدق فيها الحسناء وهي تكذب عندما ترفض الرقص مدّعية، حسب المثل العراقي أن (الأرض عوجه)! فاليوم، الذي يُعتبر المعيار الأساسي للوقت يتحدد بدورة الكرة الأرضية حول محورها دورة كاملة خلال 24 ساعة. وهذه مشكلة لأن اليوم الفعلي أقل من 24 ساعة، ويراوح في المعدل صعوداً ونزولاً حوالي 23 ساعة و56 دقيقة و4 ثوان. سبب هذا الخلل الحسابي أن الكرة الأرضية التي نعيش عليها ليست كروية بالكامل، بل بيضوية منتفخة في المدار الاستوائي ودورانها غير منتظم. وهناك مشكلة أخرى تتعلق بالكرة الأرضية، التي تدور حول محورها فيما تدور حول الشمس السارية في الفضاء. هذا الدوران الإضافي يؤخرها نحو 4 دقائق يومياً، ويؤدي إلى انزلاق الوقت ربع يوم تقريباً في السنة.
في مواجهة المشكلة اعتمد السومريون والعرب من بعدهم على دوران القمر حول الأرض، ويستغرق 29 يوماً و12 ساعة و44 دقيقة ونحو 3 ثوان. لكن للقمر أطواراً تتعلق بموقعه من الشمس ورؤيته على الأرض. وجميع التقاويم تعاني من هذه الانحرافات الطبيعية، التي تؤدي إلى مشاكل عدة، مثل عدم تساوي السنوات والفصول والشهور، حيث تزحف أيام الاسبوع كل سنة. ويبدأ عام جديد بيوم سابق لبدء العام السابق وبيومين في السنوات الكبيسة. والسنة الحالية كبيسة يُضاف فيها من أجل المساوقة مع حركة الشمس يوم واحد إلى شهر فبراير الحالي ليصبح 29 يوماُ.
وأدخلت بسبب ذلك تعديلات ع