الشيء الجديد والأكثر أهمية الذي طرأ على صراعات القوى التي تلت الحرب العالمية الأولى، هو ظهور قوة الدولة الأيديولوجية، وهو ما وجد تجسيداً له في الحربين العالمية الثانية والباردة اللتين دشن كلاً منهما نظامٌ أيديولوجي هو النازي في ألمانيا، والشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق. وكانت أوروبا هي مسرح ومناسبة هاتين الحربين، كما كانت الولايات المتحدة هي القوة الخارجية القوية القادرة في نهاية المطاف على حل الأزمتين، بصفتها جزءاً من تحالف الدول الغربية، ولأنها أدركت منذ البداية أن الحرب العالمية الثانية كانت صراعاً آخر كلاسيكياً من أجل القوة والأراضي، وشعرت بالصدمة البالغة عندما تحولت تلك الحرب إلى شيء آخر أسفر عن مصرع الملايين. أما الحرب الباردة فقد كانت حرباً أيديولوجية منذ بدايتها حيث وضع الاتحاد السوفييتي باعتباره قوة أيديولوجية (وفيما بعد الصين باعتبارها كذلك) نفسيهما في مواجهة القوى التقليدية سياسياً التي تتبع سياسات أمنية "واقعية". وقد خسرت الدولتان تلك الحرب لذات السبب الذي كان لينين قد وصفه من قبل ألا وهو "التناقضات الداخلية". فالصين اليوم تبقى دولة شيوعية اسماً لسبب واحد فقط هو أنها لم تكن قادرة على اكتشاف طريق تتمكن من خلاله من فك الاشتباك بينها وبين الشيوعية دون أن تقضي على الشرعية السياسية لحكومتها ذاتها. أما روسيا فقد تخلت عن الشيوعية في عهد "بوريس يلتسين" ثم جاءت من بعده حكومة "فلاديمير بوتين" التي برزت من بين أنقاض الفوضى التي ترتبت على التخلي عن الشيوعية. ولأن الخلفية المهنية لبوتين ولكثير من المتعاونين معه ترتبط بالأجهزة السرية، فإنه غالباً ما يتم النظر إلى حكومته في الغرب على أنها ترتبط ارتباطاً عضوياً بالاتحاد السوفييتي السابق، وأنها تنتمي من حيث تركيبتها إلى ما يعرف بـ"السلطوية الجديدة" التي تؤكدها وقائع عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر حرب الشيشان العقيمة، واغتيال الصحفيين المناوئين للحكومة الروسية. وعلى نفس المنوال يمكن القول أيضاً إن تلك الحكومة تجسد نوعاً من الواقعية الجديدة الباردة، وهي واقعية ليست ديمقراطية بمقارنتها بالديمقراطيات القائمة في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية. بيد أن كافة الدلائل المتاحة حتى الآن تشير إلى أنها واقعية تروق لغالبية الشعب الروسي، لأن بوتين نجح في فرض النظام، واستعادة شكل مقبول من السلطة والثقة في الحكومة الروسية، واستعادة احترام دولي متحفظ، علاوة على أنه يتبع سياسات جسورة في الدفاع عن المصالح الوطنية. والشكل النهائي الذي ستتخذه هذه الحكومة يعود إلى الشعب الروسي الذي سيقرر ذلك بنفسه.. وإن كنت أنا شخصياً أرى أن وجود روسيا مستقرة وبراجماتية ورشيدة وملتزمة بالقوانين سيكون في مصلحة العالم. الشيء المقلق للغاية هو أن الولايات المتحدة هي التي تحولت الآن إلى دولة أيديولوجية. فما يعرف بـ"الحرب الطويلة ضد الإرهاب" هي حرب تسبب فيها راديكاليون دينيون إسلاميون يعملون من منطلقات كلاسيكية، وينتهجون رؤية متطرفة في مواجهة ما اعتبروه تهديداً غربياً، وما اعتبروه تهديداً -عبر إسرائيل- للوجود السياسي للشعب الفلسطيني. إن استجابة الولايات المتحدة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر لم تكن الاستجابة المتوقعة منها باعتبارها دولة براجماتية واقعية معنية بمواجهة هذا الانفجار للمشاعر الدينية في العالم العربي من خلال تقييم مصادره السياسية والاجتماعية الحقيقية، والعمل بعد ذلك على تعديل السياسات الأميركية لاحتواء وتقليص العنف، والتقليل من الفوضى العالمية إلى أدنى حد. الذي حدث كان العكس تماماً حيث استجابت إدارة بوش بطريقة مذعورة وعصبية لتلك الأحداث، وأعلنت أنها ستقوم باستئصال شأفة الشر والتطرف وعدم النظام من العالم، وأنها ستقيم ديمقراطية دولية، وهو مشروع غير قابل للتحقيق كما يتبين بجلاء اليوم في العراق، وفي أماكن أخرى من الشرق الأوسط. وما يمكن قوله الآن هو أن طرفي الصراع (الحقيقة أنهما أكثر من طرفين إذا ما أخذنا في اعتبارنا أن العرب منقسمون على أنفسهم، وأن إسرائيل ينظر إليها على أنها متواطئة مع الأميركيين) مسؤولان عن تدمير دولتين هما العراق وفلسطين، وعن وضع وجود دولة ثالثة هي لبنان في موضع الخطر، وتعريض دولة رابعة هي إيران لخطر الهجوم. إن المجتمع الدولي كان محظوظاً إذ تمكن من النجاة من تداعيات الحربين الأيديولوجيتين اللتين اندلعتا في القرن العشرين.. غير أن المشكلة الآن تكمن في أن الوضع الحالي الذي ينذر بالشؤم الذي نجد أنفسنا فيه اليوم قد تحول هو الآخر إلى حرب أيديولوجية. لقد انقلبت الأوضاع وتبدلت المواقع وبدلاً من أن تكون أميركا هي الدولة العظمى الواثقة والقوية التي تعرف كيف تستخدم ضبط النفس، أصبحت دولة أيديولوجية توسعية تتمسك بالوهم أو بنسخة رديئة من الديمقراطية العالمية. أما بالنسبة لخصومها القدامى في الحرب الباردة فقد تحولت روسيا إلى شيء يشبه القوى العظمى الكلاسيكية والسلطوية وغير الأيديولوجية التي سادت في القرن التاسع عشر والتي كان همها الأول هو تحقيق مصالحها الذاتية وضمان أمنها القومي. أما الصين فقد تحولت إلى دولة تطلب من شعبها -في غيبة أي شرعية سياسية- أن يتحول إلى شعب غني وهو ما يتمكن منه القليلون ويعجز عنه الكثيرون، وكلتا الدولتين ليست لديهما أدنى رغبة في نشر رؤيتها الأيديولوجية عالمياً. فقط الولايات المتحدة هي التي تظل ملتزمة بالحملة الأيديولوجية العالمية. ولا يرجع هذه فقط إلى حقيقة أنها منغمسة بشكل يائس وعميق في حرب أيديولوجية، وإنما يرجع إلى أن ساستها وشعبها لا يزالون يؤمنون بأيديولوجية الديمقراطية العالمية ومقتنعون بأنه عن طريق ذلك فقط يمكن للولايات المتحدة أن تصبح آمنة وهو لعمري وهْم آخر. ــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"