تحدثنا في المقال السابق عن النقلة النوعية التي دشنها الإمام الشافعي على صعيد المفاهيم التي توظف لفهم النص القرآني، وذلك بوضعه مفهومي "العام" و"الخاص" مكان لفظي "الجميع" و"الواحد" اللذين استعملهما أبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى التميمي، في محاولته إحصاء أنواع "المجاز" (أو وجوه البيان) في القرآن الكريم. تتمثل هذه النقلة النوعية أولاً في كونها ترقى، كما قلنا، إلى مستوى "القطيعة المعرفية"، بدليل أنه لم يعد ممكناً بعدها الرجوع إلى ما قبل، أي إلى استعمال لفظي "الجميع" و"الواحد". لقد استغنى المفسرون وعلماء الأصول عن استعمال هذين اللفظين –خارج المعنى اللغوي العام- لأن قوتهما الإجرائية محدودة جداً على مستوى ما يمكن التعبير عنه بـ"الدينامية اللغوية". لقد انفتحت أمام المفسرين والأصوليين والفقهاء باستعمال لفظي "العام" و"الخاص" آفاق رحبة على المستوى المفاهيمي، مستوى صنع (أو اشتقاق) الأدوات المعرفية التي تعين العقل على الإمساك بأكبر مقدار ممكن من الظاهرة التي يدرسها. من ذلك مثلاً المفاهيم التي اشتقها الأصوليون (نحوياً أو صناعياً) من لفظي "العام" و"الخاص"، والتي ليس لها أصل في اللغة –أعني أن العرب لم يستعملوها قبل الشافعي. من هذه المفاهيم بل الموضوعات الفكرية المنطقية ما يلي: العموم وأنواعه، والخصوص وأنواعه، وتخصيص العموم وأنواعه، وعموم اللفظ وخصوص السبب... الخ! وواضح أن هذه المفاهيم أو "الأدوات المعرفية" لا يمكن الحصول عليها لو بقي الأصوليون متمسكين بلفظي "الجميع" و"الواحد". لقد تراجع دور هذين اللفظين فأصبحا مجرد شرح لغوي "حسي" لمفهومي "العام" و"الخاص". والسؤال الآن: من أين جاء هذان المفهومان؟ لقد بينَّا في المقال السابق أنهما لم يكونا من الألفاظ التي استعملها رواد التفسير الذين ألَّفوا في "معاني القرآن"، أو "مجازه"، المعاصرين لأبي عبيدة، وأنهما، إضافة إلى ذلك، لا أصل لهما في اللغة، أي أنهما لا أثر لهما في "السماع" ولا يدخلان في مقاييسها... وبما أن هذين المفهومين ينتميان إلى المنطق الأرسطي فإنه من الجائز جداً أن يكون الشافعي قد استقاهما من هذا المنطق. ومما يبرر هذا الاحتمال أن الشافعي (150 -204 هـ) قد عاش في عصر كانت عملية الترجمة فيه قد قطعت أشواطاً. كان كتاب "المقولات" (ولربما كتاب العبارة أيضاً وهما الجزآن الأول والثاني من منطق أرسطو)، قد نقله إلى العربية عبدالله بن المقفع (أو ابنه)، وكان الشافعي نفسه على معرفة بـ"الطب والتنجيم" كما تذكر مصادرنا، وكان المشتغلون بهذين العلمين يستعملون مفاهيم أرسطية (قارن جابر بن حيان معاصر الشافعي). ولكن الشافعي كان أيضا، وبالأساس، من كبار العلماء باللغة العربية، فليس من المستبعد أن يكون هو الذي ألبس مفهوم "العموم" و"الخصوص" كساء عربياً غطى إلى حد كبير على أصلهما المنطقي الأرسطي إلى الدرجة التي أصبحا يستعملان معها كمصطلحين عربيين صالحين لتصنيف الخطاب القرآني تصنيفاً منهجياً "عالماً" قطع مع تصنيف أبي عبيدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يستبعد أن يكون الشافعي قد تبين قصور لفظي "الجميع" و"الواحد" اللذين استعملهما أبو عبيدة –الذي كان يكبره بنحو أربعين سنة (ولد أبو عبيدة سنة 110هـ والشافعي سنة 150 هـ)، فيكون بذلك قد عبر تعبيراً جديداً عن المسألة المطروحة أقرب إلى "العلم" من تعبير أبي عبيدة. كانت علاقة الشافعي بأبي عبيدة، إذن، علاقة "اتصال وانفصال"؛ وقد تكفي، في تبين ذلك، المقارنة بين ما أو أوردناه في المقال السابق من كلام أبي عبيدة بما سنورده الآن من نصوص الشافعي، في كتابه الشهير: "الرسالة". استهل أبو عبيدة مقدمة كتابه بالتأكيد على كون القرآن قد نزل بلسان عربي مبين، وأن العرب الذين نزل فيهم كانوا يفهمونه كما هو وفق معهودهم اللغوي وأنهم بالتالي لم يكونوا في حاجة إلى السؤال عن معانيه و"مجازاته"، لأنها كانت مفهومة لديهم بالسليقة... الخ. وهذا هو نفسه ما استهل به الشافعي رسالته حيث كتب تحت عنوان "باب كيف البيان"! ما يلي، قال: "والبيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول متشعبة الفروع (لاحظ عبارة "اسم جامع"، وهو ما نسميه اليوم بـ"المفهوم"). فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده وأن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب". ثم يشرح ذلك مضيفاً: "فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها، وأن فطرتَه أن يخاطب بالشيء منه عاماً ظاهراً يراد به العام الظاهر ويستغني بأول هذا منه عن آخره، وعاماً ظاهراً يراد به العام ويدخله الخاص، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعاماً ظاهراً يراد به الخاص، وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره. فكل هذا موجود علمُه في أول الكلام أو وسطه أو آخره. وتبتدئ (العرب) الشيء من كلامها يَبين أولُ لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يَبين آخرُ لفظها منه عن أوله. وتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تعرف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به، دون أهل جهالتها. وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة. وكانت هذه الوجوه التي وصفتُ اجتماعَها في معرفة أهل العلم منها به -وإن اختلفت أسباب معرفتها- معرفةً واضحة عندها، ومستنكَرا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها". بعد ذلك انتقل الشافعي إلى وجوه العلاقة بين "العام" و"الخاص" (أي أنواع المجاز بعبارة أبي عبيدة) فعقد باباً في "بيان ما نزل من الكتاب عاماً يراد به العام ويدخله الخصوص"، ومثل له بعدة آيات من القرآن منها قوله تعالى: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا" (هود 6). وقال: "فهذا عام لا خاص فيه" (أي يعم جميع من يدب). ثم عقد باباً ثانياً في "بيان ما أنزل من الكتاب عام الظاهر وهو يجمع العام والخصوص" ومثل لذلك بآيات منها قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". (الحجر 13). قال: "فأما العموم منها ففي قول الله "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، فكل نفس خوطبت بهذا في زمان رسول الله وقبله وبعده مخلوقة من ذكر وأنثى، وكلها شعوب وقبائل، والخاص منها في قول الله "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" لأن التقوى تكون على من عقَلها وكان من أهلها من البالغين من بني آدم، دون المخلوقين من الدواب سواهم ودون المغلوبين على عقولهم منهم والأطفال الذين لم يبلغوا"... الخ. يلي ذلك "باب بيان ما نزل من الكتاب عامّ الظاهر يراد به كله الخاص"، ومثل له بقوله تعالى: "الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (جموعاً كثيرة تقاتلكم) فَاخْشَوْهُمْ، فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" (آل عمران 173). وقد سبق معنى هذه الآية عند أبي عبيدة في المقال السابق. ويقول الشافعي: "إن الدلالة بـيِّـنة على أنه إنما جمع لهم بعض الناس دون بعض"، وأنه "لم يجمع لهم الناس كلهم، ولم يخبرهم الناس كلهم ولم يكونوا هم الناس كلهم" ... ربما يلاحظ القارئ أننا مع الشافعي لم نتجاوز أبا عبيدة على الرغم من النقلة النوعية التي تحدثنا عنها ورفعناها إلى مستوى القطيعة المعرفية! وهذا صحيح، ولكن فقط داخل دائرة النظام المعرفي البياني كما يتحدد في النص القرآني. فعلاً، يشترك الرجلان في كونهما استخلصا وجوه البيان من القرآن بالاستقراء، مع الاستعانة بالموروث اللغوي قبل الإسلام: الشعر، الأمثال وما أشبه، لتعزيز نتائج استقرائهما. كان استقراء النص العربي إذن هو المرجع في صياغة الجهاز المفاهيمي الذي بواسطته تلتمس "معاني القرآن". أما مع توظيف المفهومين المنطقيين (العام، والخاص) فقد انقلب الأمر رأساً على عقب، مباشرة بعد الشافعي. ذاك أن المعاني المنطقية التي استخلصت في المنطق الصوري بالفكر المجرد، والتي انتقلت إلى العربية عبر ترجمة الكتب اليونانية، قد تحولت إلى مرجع جاهز، بقوالبه وآلياته، يبحث لها الأصوليون عما يملؤها من أمثلة من القرآن. وهكذا تحولت آيُ الذكر الحكيم من مرجع لتأسيس أوليات "منطق خاص" بها إلى ميدان تطبَّق فيه نتائج "منطق" أعم، نشأ خارجها! وقد ساد هذا الوضع الجديد عندما تداخلت مفاهيم الأصوليين والمتكلمين مع مفاهيم المنطق والفلسفة، الشيء الذي قام فيه الغزالي بالدور الأكبر.