خلال يوم ما من منتصف يناير الماضي، قام الرئيس بوش بزيارة مفاجئة لقبر مارتن لوثر كنج، أحد رموز الحقوق المدنية في البلاد. وفي اليوم ذاته، أعلن بوش تعيين قاض فيدرالي مثير للجدل ومختلف عليه. فمنظمات وقادة الحقوق المدنية الأميركية يعترضون بشدة على تعيين هذا القاضي، بسبب المخاوف والقلق إزاء ما يصفونه بعدم حساسية الشخص المعين للوظيفة المشار إليها، بل وعدوانيته المكشوفة لما ينادون به من حقوق وحريات. وبينما ذهب بعض المحللين والمراقبين في تقييم تلك الزيارة للمقبرة التذكارية للزعيم مارتن لوثر كنج، بأنها مسعى من الرئيس لكسب ود وأصوات الناخبين الأفارقة الأميركيين، إلا أن تعيين القاضي المذكور في اليوم ذاته، حمل الكثيرين لإعادة تقييمهم للنوايا الحقيقية للبيت الأبيض. وتساءل البعض عن مغزى هذه الحركة باتجاه الشيء ونقيضه من جانب البيت الأبيض. هل يأخذ الرئيس بيده اليسرى، ما يعطيه بيمناه؟ أم أنها حركة مزدوجة باتجاه قاعدتين انتخابيتين: الأفارقة الأميركيون،والعودة سالما إلى قواعد الحزب الجمهوري في ذات الوقت؟
المهم أن البيت الأبيض لم يجن من الحدثين اللذين جريا في ذلك اليوم، شيئا. عنيت من كل هذا، شبيها آخر لهذه الازدواجية، هو دبلوماسيتنا العامة تجاه الشرق الأوسط. فها نحن على مشارف إدارة حوار جديد، يقوده عدد من الذين يؤمنون بأن أس مشكلتنا في هذه المنطقة قائم على عجزنا عن التواصل مع الشعوب العربية. السمة الغالبة لمعظم المدافعين عن هذا الرأي هي الصدق، والرغبة الحقيقية في تحسين علاقاتنا الشرق أوسطية. لكن وعلى رغم هذا الصدق، فمن المؤسف أنهم يخطئون الهدف. فالمشكلة بين الولايات المتحدة والعالم العربي، ليست ناشئة عن عجز في تبادل قيمنا مع مواطني ذلك العالم، وإنما في عجز داخلي عن إبراز قيمنا وبلورتها في سياسات واضحة تجاه العالم العربي.
في مقال سابق لي نشر قبل أكثر من عام، تحت عنوان السياسات الغبية، كنت قد أشرت إلى أن معظم العرب الذين استطلعت آراؤهم وقتها، كانوا يحبون الولايات المتحدة الأميركية في كل شيء تقريبا: قيمها، ديمقراطيتها وحرياتها، تعليمها وتقدمها التكنولوجي، فضلا عن صناعاتها ومنتجاتها وشعبها. غير أن أكثر ما يثير غضبهم وحنقهم تجاه أميركا، هو سياساتها تجاه العالم العربي، سيما الفلسطينيين. فما يراه ويأخذه العرب على أميركا من سياسات مزدوجة تكيل بمكيالين، ليس مأخذا وهميا أو خطأ لا وجود له على أرض الواقع، يجب تخليصهم منه. بل إن له وجوده العيني الذي يعايشونه يوما تلو الآخر، ويبرز أمام عيونهم بما لا يدع مجالا لتفادي رؤيته.
للعدل والإنصاف، فإن معظم دعاة الدبلوماسية الشعبية يعون هذه الحقيقة ويقرونها. إلا أنهم يعترفون بأن تغيير السياسات الأميركية تجاه المنطقة، هو مهمة تتجاوز طاقتهم وقدراتهم. وربما يكون هذا صحيحا، إلا أنه لا يلغي أهمية ووضوح التناقض بين القول والمواقف. فصوت الأفعال يطغى على كل الكلمات والنوايا. من ذلك مثلا أن الرئيس بوش بذل مساعي جادة لإقناع مواطنيه العرب والمسلمين بأن الحرب التي شنها على الإرهاب، ليست حربا على الإسلام والمسلمين بأية حال من الأحوال. غير أن سلوك وإجراءات وزير العدل إزاء المهاجرين العرب والمسلمين،عكست الصورة التي حاول رسمها كموقف رسمي للإدارة. ولم يكن وزير العدل وحده هو من انفرد بهندسة وتنفيذ تلك الإجراءات العدوانية المكشوفة. بل شاركه فيها عدد من كبار المسؤولين، بمن فيهم أولئك المعروفون بتصريحاتهم المعادية صراحة للمسلمين.
بالمقارنة ذاتها، تبقى رؤية خريطة الطريق التي قدمها الرئيس بوش مجرد رؤية لا أكثر، تتناقض يوميا في أذهان وعيون العرب، مع ما يرونه من مشاهد وحشية إسرائيلية تقشعر لها الأبدان. هذا ويعتقد غالبية العرب، أن تلك الإجراءات والمشاهد الفظيعة، تتم تحت سمع وبصر الولايات المتحدة ومباركتها تحت أحسن الفروض، إن لم تتم في الواقع بدعم أميركي لإسرائيل. أما التزام الولايات المتحدة بإحداث التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، فقد بات ينظر إليه بالكثير من الريبة والشك، بالنظر إلى التجلي العملي للسياسات الأميركية تجاه فلسطين، وبسبب المأزق الجاري حاليا في العراق. وحين ينظر المرء إلى كل هذا، فإنه يحزن لمأساوية سياسات الولايات المتحدة الأميركية تجاه المنطقة. فهي المسؤولة بدرجة كبيرة عن انحسار التأييد الشعبي لها في أوساط الرأي العام العربي. ففي خلال العامين الأخيرين، انحسر تأييد الشارع العربي لأميركا لدرجة رقمية واحدة في كثير من الدول العربية. ويقينا فإن هذا التدني في الشعبية الأميركية لن يتغير بإنشاء محطات تلفزيونية تتغنى بالمجد الأميركي، ولا بأي من مثل هذه الأساليب. ليقل بوش لشارون: كف الآن عن بناء الجدار العازل في أراضي الآخرين، وأزل مستوطناتك التوسعية الجائرة. وبعدها سوف نرى، أي منقلب ينقلب الرأي العام!