أصدر مجلس الأمن القرار 1747 الذي شدد فيه العقوبات على إيران، لأنها لم تلتزم بالقرار السابق رقم 1737، وأصرت على عدم تعليق تخصيب اليورانيوم عندها. القرار صدر بإجماع كل الأعضاء. بعد أن أعلنت روسيا مراراً وتكراراً أنها ترفض أن تكون إيران قوة نووية استراتيجية، وأنها لن تلعب لعبة طهران ضد المصالح الأميركية. وبعد أن أدخلت تعديلات على مشروع القرار، كان يقف وراءها عدد من الدول مثل جنوب أفريقيا وقطر وغيرهما، في النهاية صدر القرار، وأخذ طريقه إلى التنفيذ! فهل ستلتزم به إيران؟ هل ستنفذ ما هو أصعب مما رفضت تنفيذه في السابق؟ وإلى أين يمكن أن تتجه الأمور؟ الحادث الأول بعد القرار، اعتقال مجموعة من البحـّارة البريطانيين في المياه الإقليمية الإيرانية بعد أن كانت المعلومات تقول، في المياه الإقليمية العراقية، لكن مسؤولين عراقيين أيدوا الموقف الإيراني، وقالوا إن البحـّارة اعتقلوا في المياه الإقليمية الإيرانية. إيران استغلت الأمر، اعتقلتهم. أدارت ظهرها لكل النداءات. بريطانيا وقفت مأزومة, لا تعرف ماذا تفعل، جمـّدت أنشطتها وعلاقاتهــا مع طهران. وتصريحات "توني بلير" وغيره تتحدث بوتيرة عالية عن خطأ إيراني كبير وعن ضرورة انصياع إيران للقرارات الدولية وإطلاق سراح البحـّارة في الوقت ذاته. من طهران، ردود وتحليلات مختلفة. لكنها كلها ضد بريطانيا وسياستها. ثمة من قال: لابد من التحقيق معهم، ولا يمكن إطلاق سراحهم إلا بعد انتهاء التحقيق إذا ثبت أنه لا نية مسبقة في القيام بأعمال معينة. وثمة من قال إن هذا العمل هو رسالة في اتجاهين: الاتجاه الأول، رد على اعتقال القوات الأميركية، عناصر أمنية إيرانية في عدد من المدن العراقية كانت تعمل تحت عناوين دبلوماسية، واعتقال القوات البريطانية إيرانيين آخرين. وبالتالي تريد إيران عملية تبادل. والاتجاه الثاني هو نحو المجتمع الدولي الذي عليه أن يعرف أن الوجود الأميركي والبريطاني في الخليج وحول إيران لن يكون مرتاحاً، ولن تكون نتائجه مضمونة في حال كان هجوم أميركي على إيران، بما يعني الاستعداد للمواجهة واستخدام كل الوسائل. وتضاف هذه الرسالة إلى سلسلة من الرسائل أرسلت من خلال تصريحات عدد من المستشارين حول المرشد آية الله خامنئي وعدد من الإعلاميين والسياسيين تقول إن إيران لن تسكت على حصارها ومواجهتها وإن "حزب الله" في لبنان هو عينة من العينات التي يمكن استخدامها في الرد! نحن أمام شهرين جديدين حسب المهلة التي أعطيت لطهران. سوف نمضيهما في أجواء من التجاذب والحدة والتهديد والعمليات المحدودة المتبادلة، إذا لم تقع خلالهما المواجهة الكبرى. وبطبيعة الحال ستكون انعكاسات سلبية للعمليات المحدودة أو للمواجهة على كل المنطقة، خصوصاً عندما نسمع المواقف الإيرانية المذكرة دائماً بإمكانية استخدام مناطق وشوارع في عدد من العواصم العربية، ومنها لبنان كما ذكرت. ولاشك في أن السيناريوهات التي يمكن تصورها تحمل كلها نتائج دراماتيكية. إيران وإنْ امتلكت القدرة على التحريك هنا وهناك لقوى وعناصر ضد أميركا ومصالحها، فهي لن تربح في المواجهة بل ستخسر الكثير. لكن أميركا التي لا تخسر، لأنها تملك إمكانات هائلة وتبقى هي الأقوى والحرب على أرض غير أرضها، وتبقى قادرة على تحمل الخسائر، لكنها لن تربح هي الأخرى، ومن سيدفع الثمن هو الشعب الإيراني بسبب سياسة التهور التي يعتمدها الرئيس أحمدي نجاد. هل كان ثمة سبيل لتجاوز الأزمة؟ هل كانت ثمة إمكانية لاتخاذ قرار في توقيت آخر لا يدفع طهران إلى مزيد من التهور؟ لاشك أن طهران أوصدت كل الأبواب، فأُقر القرار ضدها بالإجماع. ولكن لاشك أيضاً في أن سياسة الإدارة الأميركية واندفاعها نحو مواجهة هنا وضغط هناك وتلكؤ في مكان آخر ينبغي الإقدام فيه مثل الموضوع الفلسطيني مثلاً، وسوء تصرف في كل الأحيان، كل ذلك لا يمكن أن يؤدي إلا إلى نتائج وخيمة. فالإدارة الأميركية تفشل في إقناع أولمرت بالدخول في مفاوضات نهائية مع القيادة الفلسطينية، وفي الدعوة إلى مؤتمر دولي، أو لقاء دول عشر كما سمي، ولا تأخذ من "أولمرت" أي شيء، وتغطي مقاطعة الحكومة الفلسطينية، التي أسهم في ممارستها الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" أيضاً عندما زار الأراضي الفلسطينية مؤخراً ولم يلتق برئيس الحكومة إسماعيل هنية. والإدارة الأميركية لا تساير على الأقل الحليف الأكبر لها المملكة العربية السعودية في "اتفاق مكة"، وتمارس ضغوطاً على الحليف الآخر، وهو الرئيس حسني مبارك، وعلى الحليف الثالث برويز مشرف في باكستان، وكل من هؤلاء أقدم على خطوات وقرارات ومواقف تنسجم مع السياسة الأميركية، وقد لا ترضي الشعوب. كذلك فإن هذه الإدارة تقول بالديمقراطية لممارسة ضغط على جهة، وترفض نتائجها عند جهة أخرى. وتقول بمواجهة التطرف وتخدم بسياستها قوى التطرف –حسب تسميتها هي– وتقف أو تحاصر أو تواجه قوى الاعتدال. فإن كنت ناقداً لهذه الإدارة خاصمتك. وإن كنت صديقاً أو حليفاً أضعفتك. وهي قادرة على تحمل كل شيء لكن دولنا وشعوبنا غير قادرة على ذلك. وهي تتصرف على أساس الهروب الدائم إلى الأمام. فإذا فشلت هنا جربت هناك. وإذا نجحت هنا خربت هنا وهناك بسوء الإدارة والتقدير والتصرف وعدم قراءة الوقائع كما هي. وإذا كان الأمر عن سابق تصور وتصميم كما يقول البعض فتلك كارثة. وبين هذه السياسة الأميركية وتلك السياسة الإيرانية تقف المنطقة أمام مخاطر كثيرة ولا يبدو في الأفق أن لدى أميركا استعداداً للتفكير بمنطق آخر أو بطريقة أخرى كما لا يبدو أن إيران ستقبل بما يطالبها به العرب وتتوقف عن التدخل في شؤون عدد من الدول واستهدافها. فوقوفها إلى جانب هذا أو ذاك هنا أو هناك هو امتداد لعقيدتها وأيديولوجيتها ودعم لتوجهاتها وليس ثمة حدود. وفي النهاية الحسابات هي حسابات مصالح. ومصالحها ولو كانت على حساب الآخرين تتقدم مصالحهم. كيف سيتعامل العرب مع الوضع؟ ماذا سيفعلون بعد القمة؟ ليس ثمة وضوح واطمئنان، وخصوصاً في لبنان عندما يلوّح البعض بالاستعداد لاستخدامه مجدداً في معركة ليست معركته، وهي معركة الطاقة النووية الإيرانية. وبغض النظر عن حق إيران في امتلاك الطاقة السلمية وصراعها مع أميركا والمجتمع الدولي. فإن لبنان غير مستعد وغير قادر، مثل أي دولة أخرى على كل حال، على تحمل نتائج مواجهة كارثية جديدة.