ثارت الشكوك الدولية لأول مرة حول الأنشطة النووية الإيرانية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تبدأ تحقيقاً مكثفاً حول برنامج إيران النووي إلا في عام 2002، لتكتشف أن الإيرانيين قاموا بتخصيب اليورانيوم في منشآت سرية. ثم تضاعف القلق الدولي بعد ما خرقت إيران في صيف عام 2004 اتفاق تعليق أنشطتها النووية الموقع قبل بضعة أشهر من ذلك التاريخ، حيث عادت وأنتجت أجهزة للطرد المركزي، واستأنفت عمليات التخصيب في محطة "ناتانز"، وواصلت أنشطتها في مفاعل "بوشهر". ثم ازداد القلق والخشية مجدداً مع التصريحات المتكررة للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، والذي لم يفتأ يؤكد مواصلة بلاده جهود العمل على امتلاك الطاقة النووية! وبالنظر إلى الانعكاسات الاستراتيجية المحتملة للبرنامج النووي الإيراني، على الأمن الإقليمي والعالمي، فقد نظم "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية" في فبراير 2006 ندوة بعنوان: "البرنامج النووي الإيراني: الوقائع والتداعيات"، وقد شارك فيها مجموعة من الخبراء والمتخصصين، تناولوا الجوانب المختلفة لذلك البرنامج. والكتاب الذي نعرضه هنا بإيجاز، يحمل عنوان الندوة المذكورة ويضم أوراقها، ويسلط الضوء على القدرات النووية لإيران، ويناقش احتمال قيامها بتطوير أسلحة نووية، وتطورات البرنامج النووي منذ انتخابات الرئاسة الإيرانية عام 2005، كما يتناول الانعكاسات الاستراتيجية لوجود برنامج نووي إيراني، وآثار ذلك البرنامج على أمن الخليج، وإمكانية قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بضربة عسكرية ضد إيران! وفي فصل عنوانه: "قدرات إيران النووية وإمكانية تطويرها أسلحة ذرية"، يعتقد جون سيمبسون أن إيران لن تستطيع امتلاك سلاح نووي ذي مصداقية تقنية، قبل عام 2013، وإن توافرت لها "قدرات للطوارئ" اعتباراً من عام 2009. ولا يستبعد سيمبسون أن تتبع إيران استراتيجية "ذكية" بالبقاء ضمن حدود معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وفي الوقت ذاته تعمل على امتلاك مفاعل تخصيب ثنائي الاستخدام ومنشآت لإعادة المعالجة. وفيما بعد ترتب إشعاراً بالانسحاب من المعاهدة مدته 90 يوماً. ويقيم جيمس نويز آثار البرنامج النووي الإيراني على أمن بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مبيناً أن حماسة إيران الشديدة والمتسمة بالتحدي تمثل تهديداً عسكرياً مباشراً لتلك الدول. فرغم أن إيران دأبت على استعراض قوتها العسكرية التقليدية الضخمة، والتي يمكن استخدامها ضد دول "التعاون"، فإن مخاوف هذه الدول حالياً، تعود أساساً إلى الخشية من الانعكاسات الكارثية لأي حادث في مفاعل "بوشهر" الذي يقع على بعد 150 ميلاً فقط من دولة الكويت. وبالنظر إلى جيولوجية إيران المعرضة للزلازل، وكذلك اعتماد مفاعلاتها على التقنية الروسية غير المأمونة، فإن احتمالات وقوع حادث نووي تثير قلق دول مجلس التعاون. ويوضح جورج بيركوفيتش في فصله المعنون "برنامج إيران النووي بعد انتخابات 2005"، بأن أولى الأولويات الملحة عند التصدي لذلك البرنامج، هي تغيير الدينامية الداخلية التي يناقش بها الزعماء الإيرانيون سياساتهم النووية. أما الضرورة الملحة الثانية فتتمثل في إيجاد تحالف دولي واسع للتأكيد على أن العواقب السيئة لسياسة المواجهة الإيرانية، والفوائد المضاعفة لسياسة نووية متعاونة، هما معاً أمران مؤكدان. كما أنه لابد أن يعلم القادة الإيرانيون أنه لا يمكنهم "الاحتماء" بالشرق، وأن التحالف لإقناع إيران بقبول خدمات الوقود النووي الدولية يضم كافة القوى الكبرى في العالم. وسعياً إلى تقوية التلاحم الدولي لحث إيران على تبني سياسات نووية أقل تهديداً، يرى بيركوفيتش أنه يجب أن يعمل الغرب على إيجاد منطقة شرق أوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، وأن هناك فرصاً جديدة أمام دول مجلس التعاون كي تمارس الضغط لتحقيق ذلك الهدف. وعن "إسرائيل والانعكاسات الاستراتيجية لخيار الأسلحة النووية الإيرانية"، يقول جيفري أورونسون إن صناع السياسة في إسرائيل ينظرون إلى الجهود الإيرانية في المجال النووي، كتهديد محتمل لوجود الدولة العبرية. لكن ما يتجنب أولئك الساسة قوله هو أن احتكار إسرائيل للقوة النووية سينتهي قريباً، حيث ستصبح منطقة الشرق الأوسط ثنائية أو متعددة القوى النووية. ويستبعد الكاتب أن تتمكن إسرائيل لوحدها من الوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية الموزَّعة في مواقع مختلفة، لذلك يبدو قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، أكثر احتمالاً. ويتوقف أورونسون عند ذلك الاحتمال، قائلاً إنه يتطلب حرباً رئيسية مطولة، لاسيما إذا أخذنا في الحسبان مواقع المنشآت النووية الإيرانية المتناثرة، ودرجة الصلابة والعمق اللتين تميزان تلك المنشآت... لذلك فإن أي هجوم عسكري سيتطلب سلسلة طويلة من الطلعات الجوية، والتي يجب أن يسبقها القضاء بفعالية على قدرات الدفاع الجوي الإيراني، بما فيها صواريخ "أرض- جو" الروسية والكورية الشمالية والمدافع المضادة للطائرة والطائرات المقاتلة ومنشآت القيادة والسيطرة. وإذا ما استهدف ذلك الهجوم تأخير البرنامج النووي الإيراني خمسة أعوام على الأقل، يجب أن يستهدف كذلك منشآت وتجمعات الحرس الثوري القريبة من العراق، وكذلك القوات البحرية الإيرانية التي ستحاول إعاقة نفط الخليج أو سد ممراته. وعلى ضوء هذا السيناريو قد تتعرض دول الخليج العربية لأضرار مادية وسياسية واسعة، خاصة إذا ما شنت إيران أعمالاً انتقامية ضد المصالح الأميركية على أراضي هذه الدول. وفي النهاية فإن من شأن ذلك الهجوم أن يشعل حرباً بين إيران والولايات المتحدة، قد تجر القوات الأميركية إلى أماكن أكثر عمقاً في المنطقة، ما يعزز الأيديولوجيات المعادية للغرب في سائر أنحاء العالم الإسلامي. وفي مقابل ذلك السيناريو، يتساءل سفير لودجارد؛ "قصف إيران: هل يمكن تجنبه؟"، ليجيب بالقول إن مزايا وقف التصعيد الحالي وتحقيق تسوية سلمية، لا يمكن تقويمهما بشكل كامل وحقيقي، إلا عند مقارنة ذلك بالتكلفة الهائلة لاندلاع حرب في المنطقة. محمد ولد المنى الكتاب: البرنامج النووي الإيراني: الوقائع والتداعيات المؤلفون: جماعة مؤلفين الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2007