ثمة تفاؤل وارتياح كبيران بما أنجزته قمة الرياض، وحسبها أنها جمعت الأشقاء وأعادت الدفء والصفاء إلى العلاقات العربية، وأكدت أن من يراهنون على الخلافات العربية يجهلون أن العرب أسرة واحدة سرعان ما يلتئم شملها حتى وإن بدت متفرقة الرؤى، لأن الخلافات التي تحدث أحياناً في وجهات النظر لا تصل إلى الجوهر الصلب الذي يجمع الأمة حول القضايا الرئيسة، ولا يبدل حقيقة كون الروابط التاريخية والقومية بل العائلية أقوى بكثير من المصالح المرحلية، لأن هذه الروابط العريقة تقوم على أسس قوية صاغها وجدان الشعب العربي. وهو يؤكد للعالم كل يوم أنه شعب واحد، تظهر متانة وحدته حين تشتد عليه المآسي، وقد قال شاعرنا عمر أبو ريشة أيام الانتداب الفرنسي على سوريا: (لمّت الآلام منا شملنا، ونمت ما بيننا من نسب). ولم تمر في تاريخ الأمة منذ زمن الحروب الصليبية مآسٍ وفواجع مثل التي مرت بها في السنوات السبع العجاف الماضية، فقد وجدت الأمة نفسها مستباحة الأرض والكرامة، تتعرض كل يوم للتهديد والوعيد، وقد بلغت الاستهانة بها إلى حد رسم خرائط تقسيم لها تداولها الإعلام الصهيوني، الذي روج على مدى السنوات الماضية لمشروع الشرق الأوسط الكبير، مقدماً العراق نموذجاً للتقسيم المقترح، حيث تقضي الخطة الافتراضية التي أوشكت أن تصير واقعاً، بأن يصير العراق ثلاث دول (شيعية وسُنية وكردية) وأن مشروعاً مماثلاً في التقسيم ينتظر بلاد الشام والسعودية، وأن مصر ستكون الجائزة الكبرى، إلى غير ذلك من التهويمات الجامحة عبر الحملات الإعلامية التي كانت تعبّر عن مدى الاستخفاف بالعرب جميعاً. وقد واكب الحملة جهد ضخم بذله أنصار المشروع الصهيوني لإثارة الفتن الدينية والطائفية والعرقية تهيئة لمشروع التفتيت المقترح. وقد افتعل دعاة المشروع الصهيوني وجود مشكلات ضخمة تعاني منها الأقليات في الوطن العربي، ثم طبّلوا وزمروا للديمقراطية الأميركية المنقذة للعرب من الديكتاتورية والاستبداد، وطالبوا العرب بأن يعترفوا بأن دينهم الحنيف يحض على الإرهاب ويقدس العنف لمجرد أن هذا الدين العظيم يحض على رد العدوان وعدم الرضوخ للمعتدين. وروجوا أن التطرف الديني استلهام من أصل الإسلام وجذوره، متجاهلين كل الأدلة التي تؤكد أن الإرهابيين هم مجموعات من العملاء يتلقون تدريباتهم في إسرائيل وهم يتسترون بالدين كي يشوهوه ويقدموا صورة سوداء قاتمة له أمام العالم. وقد ظهرت اعترافات صريحة من متورطين في تنظيمات إرهابية تحدثوا عن أنهم فوجئوا حين طلب إليهم أن يسافروا إلى إسرائيل لتلقي التدريب والعودة إلى العراق لارتكاب الجرائم ضد الشعب. ولم يقف دعاة المشروع الصهيوني عند حدود إثارة الفتن ونشر ثقافة التجهيل بالحقائق، بل دعوا وما يزالون يدعون إلى استئصال القوى الوطنية واجتثاثها، وهذا ما جربوه في لبنان ومن قبل في فلسطين، وجاءتهم النتيجة مذهلة في البلدين، حين وجدوا "حماس" تصل إلى سدة السلطة عبر ديمقراطية نزيهة راقبوها بأنفسهم، رغم كل ما تعرضت له "حماس" والشعب الفلسطيني كله من عمليات تدمير وقتل وإرهاب وأسر وحصار، ووجدوا أن "حزب الله" في لبنان أقوى من أن تتمكن إسرائيل من تصفيته وإبادته رغم أنها استخدمت أعتى ما لديها من قوة عسكرية. وأما سوريا فقد شنوا عليها حملات إعلامية ضخمة لتشويه صورتها أمام العالم، وفرضوا عليها العقوبات لأنها متمسكة بحقوقها وبحقوق الأمة العربية، وقد باتت سوريا تشكل عقبة في وجه رغبتهم بإجبار الأمة على قبول الاستسلام، لكن سوريا صمدت أمام كل الضغوط، وأثبتت مصداقيتها أمام الأسرة الدولية التي أعلنت أن سوريا جزء مهم من الحلول في المنطقة، وليست جزءاً من المشكلات فيها، وقد حرصت سوريا على أن تتمسك بالتضامن العربي، وألا تدع دعاة الصهيونية يحدثون شرخاً بينها وبين شقيقاتها من الدول العربية. لقد عبرت قمة الرياض عن قدرة العرب على اتخاذ موقف موحد، وعلى أن يكونوا هم أصحاب القرار في كل ما يتعلق بشؤونهم وبشؤون منطقتهم، وكان اللقاء حول نقاط التوافق وتجاوز نقاط الاختلاف، تعبيراً عن كون المتفق عليه أرحب وأوسع من الدوائر الضيقة التي يقع حولها الاختلاف، ونحن لا نجد في هذا الاختلاف عامل ضعف ما دامت الأهداف العامة جامعة حول المصلحة العليا للأمة. ولقد كان انعقاد القمة في المملكة العربية السعودية بحد ذاته داعي تفاؤل، لما للمملكة من مكانة سامية في نفوس العرب جميعاً. ونحن في سوريا نكن أسمى وأعمق المشاعر الحميمة للمملكة، ونقدر مواقفها الداعمة لسوريا وحرصها الدائم على لمِّ الشمل العربي والإسلامي، ونعتقد أن اللقاء على أرض العروبة والإسلام يحمل دلالاته الواضحة، فلابد لهذه الأمة من أن تستمد حضورها من هويتها العربية والإسلامية، وأن تستلهم تاريخ نضالها الذي مكنها من الاستقلال ومن امتلاك سيادتها. ويؤكد هذا التاريخ أن الأمة لم تستطع قط أن تتحرر من الاعتداءات التي تعرضت لها إلا حين تمسكت بجذورها الحضارية وهويتها الثقافية، والتفت حول مقومات حضورها كـأمة عريقة بين أمم العالم. ولئن كان العرب قد اتفقوا في القمة على تفعيل المبادرة العربية للسلام، وعلى إقناع الأسرة الدولية بأن هذه المبادرة هي الحل الأمثل لهذا الصراع التاريخي بين العرب وبين وإسرائيل، فإنني أرى من وجهة نظر شخصية أن الفضاء المفتوح أمام المبادرة يجب أن يكون له موعد تستجيب خلاله إسرائيل، لأن السنوات الدامية التي انقضت بعد قمة بيروت قدمت إجابة إسرائيلية عبرت عن استخفاف إسرائيل بدعوات السلام العربية، حيث أكدت إسرائيل أنها تفضل الحرب وترفض السلام، رغم وجود قوى عقلانية إسرائيلية تدعو إلى انتهاز الفرصة التاريخية التي يقدمها العرب لإسرائيل. وهذه القوى تدرك بوعي واقعي أن إسرائيل تمر بأزمة وجودية لا سابقة لها في تاريخها القصير جداً، ولاسيما بعد أن تعرضت في الصيف الماضي لامتحان خطير و إخفاق مرير حين فوجئت بأنها لم تعد تملك القدرة على هزيمة العرب، لأنها باتت تواجه الشعوب، ولم يكن بوسعها أن تحقق أي هدف لها في الحرب الأخيرة على لبنان غير تدمير وهدم منازل بسطاء وفقراء اللبنانيين وتشريدهم. وهذا ما يجب أن يدعو إسرائيل اليوم إلى النظر بجدية إلى مبادرة السلام العربية، كذلك كان على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في سياساتها وقد حذرها عقلاؤها من خطر استمرار تورطها في بحر الدم في العراق، ولم تكن أوروبا بعيدة عن الحاجة إلى إعادة النظر وإلى مراجعة مواقفها بعد أن مضت بعض دولها بعيداً خلف سياسات الولايات المتحدة التي أدخلتها في صراعات لم تكن أوروبا تحتاج إليها، مما جر عليها مشكلات لم تكن في حسبانها، وجعل حضورها في العالم العربي موضع شك وريبة من قبل الشعب العربي بعد سنوات طويلة من بناء الثقة، ومن ترسيخ علاقات متوسطية تقوم على الشراكة والمصالح المشتركة. إننا نتفاءل بما حققته القمة في الرياض، ونرجو أن يتجنب العرب ما قد تنصبه الصهيونية من فخاخ لاختراق تضامنهم، وأن تعمل الحكومات العربية جميعاً على تعزيز هذا التضامن من خلال التنسيق المستمر لتحقيق المصالح العليا للأمة.