في عام 1924 كتب الشاعر الشعبي العراقي المشهور "عبّود الكرخي" قصيدة عنوانها "شروط شركات النفط"، حذر فيها من منح الشركات الإنجليزية امتيازات شبيهة بالامتيازات التي يسعى لفرضها "قانون النفط" الحالي: "بهذا الامتياز انكون مأسورينْ/ إلى وِلْد الوِلِد يبقى علينا العارْ". "النفط، آه النفط يا أحرارْ/ شبّ النفط في قلب العراقي نارْ". وإذا كان "الأجداد" قد قاوموا قبل قرن عار "الامتيازات"، فكيف يقبل به الآن "وِلد الوِلِدْ"؟ الادعاء بأن موقف العراق حالياً ضعيف بسبب الاحتلال، يستحق قصيدة مقذعة كتبها الكرخي المدفون في "النجف الأشرف" عن رجل قانون كان يتعاون مع الاحتلال البريطاني: "هاك أخذ منّي مقال/ يا ربيب الاحتلال". والضعفاء اليوم هم حكام "المنطقة الخضراء" الذين تعهدوا علناً قبل الاحتلال ببيع نفط البلد الذي قاوم شركات النفط في عشرينيات القرن الماضي، عندما كانت دولته "الجنينية" تحت انتداب الإمبراطورية البريطانية، ولم يكن يملك جيشاً من مهندسين وعلماء ابتكروا شبكة منافذ استراتيجية بديلة، تنقل النفط عبر بحري الأبيض المتوسط والأحمر والخليج العربي. ويناقش مهندس النفط "فؤاد قاسم الأمير" في دراسة جديدة استلمتها بالبريد الإلكتروني، ادعاءات تمرير القانون بحجة "إن الأميركان يريدوه.. وإذا مُرِّر القانون سيساعدون جدياً في حل الأمور"، ويسخر من القول بأن "القانون سيمرر، فلماذا لا نحاول تعديله قدر المستطاع؟"! ويذكر المهندس الأمير الذي تخرج من جامعة "مانشستر" في بريطانيا، وعمل في صناعة النفط العراقية أكثر من 40 عاماً، وألّف ثلاثة كتب عن النفط أن "بوش وجماعته الآن في أضعف حالاتهم، وهم في نهاياتهم، إذن لماذا نعطيهم جرعة استراتيجية؟". ويعيد إلى الأذهان فشل محاولة مماثلة في منتصف ستينيات القرن الماضي اشتهرت باسم "اتفاقية بغداد". ويستعيد ذكرياته عن ترجمته نصوص تلك الاتفاقية، وتسريبها للأحزاب السرية التي ألّبت الرأي العام ضدها، ويعلن تعهده وقد بلغ عمره الآن 70 سنة "نحو العراق ونحو أولادي وأحفادي وأحفاد أحفادي، أن أساهم في إسقاط مثل هذا القانون". إذا كان قادة صناعة النفط المهدّدون في رزقهم وحياتهم، يقفون هذا الموقف، فكيف بجيش التقنيين وعمال النفط؟ الجواب عن ذلك قدّمه قادة "الاتحاد العام لعمال النفط" في اجتماع في "المركز الثقافي النفطي" في "جامعة البصرة"، أعلنوا فيه: "نحذر الشركات الأجنبية، وخصوصاً الأميركية من الدخول إلى مواقعنا النفطية عبر أي قانون لا يراعي مصلحة الشعب العراقي". وذكر حسن جمعة، رئيس الاتحاد أن مشروع "قانون النفط" سيجعل العراق "دولة ضعيفة مستقبلها مرهون تحت رحمة الاحتكارات الأجنبية". وكان "الاتحاد العام لعمال النفط" قد نفّذ تهديداته بوقف الإنتاج مرات عدة. ويعتقد "آرا خاجادور" الذي ارتبط اسمه بانتفاضة "كاورباغي" المشهورة ضد شركات النفط البريطانية في أربعينيات القرن الماضي، أن المقاومة المسلحة قادرة على الدفاع عن ثروات العراق النفطية. وخاجادور مؤسس ورئيس "الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق" في عام 1958، ويكتب الآن وهو في عمر الثمانين مقالات نارية تدعو رفاقه إلى "فضح الادعاء الزائف بأن المقاومة تبرر للاحتلال بقاءه، وكأن الاحتلال مشروع خيري قدم للشعب العراقي لوجه الله"! وفي مقالة بعنوان "إنها حرب التحرير"، ذكر خاجادور أن "المقاومة نبعت من ضمير الناس البسطاء، وبدأت من الدفاع عن البيت والعائلة والشرف الشخصي، ومن ردّ الإهانة، ومن القهر والغضب على الاستباحة المطلقة لحقوق الناس في وطنهم، واستباحة المقدسات". وقد شاهد العالم النقل المباشر لانحناء الأمين العام للأمم المتحدة أمام دوي لقذيفة التي أطلقتها لمقاومة لحظة إلقائه كلمة في المنطقة الخضراء. لكن القليل من يعرف أن عمليات المقاومة تضاعفت مرتين خلال العام الماضي. وتذكر "مؤسسة بروكينجز" في واشنطن، والتي تعد تقارير دورية عن أوضاع العراق، أن المعدل اليومي للهجمات المسلحة بلغ 185 عملية، وهذا يعني نحو 1300 عملية مسلحة في الأسبوع، أو 5500 في الشهر. وفي تحليله لإحصائيات التقرير ذكر منذر الأعظمي، المفتش السابق لعلم الرياضيات في وزارة التعليم في بريطانيا: "أنها تدل على وقوع ما بين 7 و8 هجمات بقذائف الهاون، أو القنص، أو العبوات الناسفة في كل ساعة من ساعات الليل والنهار". وذكر الأعظمي أن الإحصاءات المستندة إلى تقارير وزارة الدفاع الأميركية تكشف أن 75 في المئة من جميع العمليات المسجلة موجهة ضد قوات الاحتلال مباشرة، و17 في المئة ضد قوات الأمن العراقية التي أسسها الاحتلال، و8 في المئة ضد "المدنيين"، وقد تقع ضمنها الهجمات على 100 ألف من قوات المرتزقة، وتسميهم التقارير الرسمية "المتعاقدين"، والذين يرتدون ملابس مدنية، ويعمل كثير منهم في المناطق المدنية. ويُحمِّل سامي الرمضاني، المحاضر في علم الاجتماع في جامعة "متروبوليتان" في لندن، الاحتلال مسؤولية العنف ضد المدنيين. ويذكر الرمضاني في مقالة في صحيفة "الغارديان" أن عدد قوات الاحتلال يربو على 150 ألفاً، إضافة إلى 150 ألفاً من "وحدات حراسة المنشآت"، التي تسيطر عليها قوات الاحتلال، وتتلقى مرتباتها من الحكومة العراقية، وتعتبر مسؤولة عن "فرق الموت"، إلى جانب قوات الجيش والشرطة، التي دربها الأميركيون، وتعدادها 400 ألف، وست فرق مليشيات عراقية سرية تحت سيطرة الأميركيين، ومئات فرق الخطف. يقاتل هذا العدد الذي يبلغ نحو مليونين، عشرات الآلاف من قوات المقاومة. ويحار المراقب، أيضحك أم يبكي من حكومة المالكي، والتي أعلنت عن مفاوضات مع ممثلي المقاومة، وهي تعلم أن مهمتها ستنتهي بمصادقة البرلمان على "قانون النفط"، وسيعهد المحتلون بالحكم إلى رجلهم المفضل إياد علاوي. ففي مقابلة مع إذاعة "البي بي سي"، ذكر سعد المطّلبي، مسؤول العلاقات الدولية في "وزارة الدولة لشؤون الحوار الوطني"، أن الحكومة تجري حوارات مع 35 جماعة مسلحة بهدف الوصول إلى اتفاق يضمن دخولها في العملية السياسية! والادعاءات كثيرة بالتفاوض مع المقاومة، أو التحدث باسمها، فيما لا تذكر مواقع المقاومة في الإنترنت سوى أنباء العمليات، وآيات قرآنية وأحاديث نبوية، وأدعية دينية: "اللهم ارحم قتلانا، وتقبلهم شهداء عندك يا أرحم الراحمين... اللهم فك أسرانا وخفف آلامهم وأمن روعاتهم وردّهم إلى أهلهم سالمين". والله وحده يعلم عدد شهداء المقاومة، وأسراها وجرحاها وعذابات أهلها. وعندما يقاوم بالسلاح أكثر السكان محافظة وتواضعاً أربع سنوات، فالويل لمن يريد الاستحواذ على نفط العراق. وهذه المقاومة لا تجري في جبال "سيرا مايسترا" في كوبا، أو في أدغال فيتنام، بل في قلب عاصمة العراق، ومحافظاته الرئيسية. وإذا صحّ ما يقوله البعض من أنها مقاومة طائفة السُّنة الأقلية، والتي فقدت السلطة بعد 14 قرناً من الحكم، فهل هناك أمنع من بلد تدافع عنه الأقلية المنضبطة، المتمرسة بالحكم، المتشددة في مقاومتها للأجانب الطامعين بخيرات البلد؟ وهي ليست أقلية مستضعفة مغلوبة على أمرها، بل مقاتلة موصولة الوشائج بمليار مسلم حول العالم. "واذكرْ ربَّكَ إذا نسيتْ". يقول ذلك سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم، وأستغفره عن هذا التنابز بالطائفية، بئس التنابز بعد الإيمان بالله وبالأمة التي أشادت أروع الحضارات الإنسانية تعددية وغنىً بالمذاهب والأديان والقوميات والثقافات.