بعد مخاض تجاوز 21 يوماً خرجت الحكومة الكويتية الجديدة, وكانت ولادتها العسيرة تعكس الظروف السياسية وطبيعة التحديات التي يواجهها رئيس الحكومة. رئيس الحكومة ولمدة سنة من توليه يواجه أزمات سياسية, فهذه الحكومة الثالثة في عهده, ويأمل بأن لا يقابل باستجواب جديد يطيح بحكومته. الكويت كست وجهها الكآبة, وتعطلت مشاريع التنمية فيها, وبات التخبط سيد الموقف ولا نعرف ما إذا كانت الأزمة ودعتنا أم هي من الخلايا النائمة! مؤتمر غرفة التجارة والصناعة الذي عقد مؤخراً تحت عنوان "كلام مكرر وقرار مؤجل"، هو فعلاً عنوان موفق يجسد الوضع الراهن للاقتصاد الكويتي وحالة تنموية تعاني من تراجع سريع وجمود هائل. لا يمكن أن نختلف مع ما قيل خلال المؤتمر سواء من كلمات أو مداخلات، فالأسباب والمعوقات معروفة ويلمسها أصحاب القرار في السلطة التنفيذية منذ سنوات وتحديداً منذ التحرير، حين استعانت الحكومة بالهيئات الدولية كالبنك الدولي لوضع التصورات والمقترحات حول سبل إعادة البناء والنهوض بالكويت اقتصادياً ومالياً واستثمارياً وحظيت هذه الخطوات أيضاً بمباركة ودعم من السلطة التشريعية خصوصاً اللجنة المالية آنذاك إلى جانب دعم وتفهم القطاع الخاص، إلا أن كل تلك الجهود والدراسات والتقارير لم تجد لها طريقاً على صعيد التطبيق والتنفيذ، فعلى سبيل المثال قامت الهيئة العامة للاستثمار بخطوات ناجحة نحو تطبيق توصيات البنك الدولي في تخصيص مساهمات الدولة في بعض الشركات المملوكة للدولة وكانت وتيرة العمل في عهد الأخ الفاضل علي الرشيد البدر، العضو المنتدب لهيئة الاستثمار وكذلك الأخ الفاضل هشام العتيبي مدير عام البورصة، قد اتسمت بالسرعة والتناغم إلا أنها تراجعت بعد ذلك لتصل بعملية التخصيص إلى حالة من الجمود، وكذلك الحال بالنسبة للخطوط الجوية الكويتية فقد كلفت هيئة الاستثمار شركة الخطوط البريطانية لوضع الخطة المناسبة لتخصيص "الكويتية" باعتبار أن "البريطانية" من أوائل شركات الطيران التي عبرت التخصيص بنجاح وتحقق اليوم أرباحاً هائلة، إلا أن الدراسة ظلت دفينة الأدراج لسبب بسيط وهو غياب القرار السياسي وتضارب المصالح ونفوذ البعض في تجميد خطة التخصيص للكويتية... بعدها بسنوات تقوم وزارة المالية وهيئة الاستثمار بتكليف شركة استثمارية محلية بوضع خطة لتخصيص "الكويتية" بناء على تجربة شركة طيران "اللوفتهانزا" لتدفن الخطة مع أختها الأولى لنفس الأسباب والظروف. النهوض باقتصاد البلاد وإحداث نقلة نوعية وملموسة على الصعيد التنموي، لا يحتاج لعصى سحرية أو إلى مزيد من الدراسات والخطط وإنما لقرار جريء يضع مصلحة الكويت قبل المصالح الشخصية، وبحاجة أيضاً إلى رؤية وفلسفة تنطلق منها الدولة, فلسفة قائمة على رغبة وعزم لصانع القرار في إحداث التغيير المطلوب. الحكومة مطالبة بالإقدام على اتخاذ قرارات جريئة وعدم التراجع عنها مهما كانت ردود الفعل داخل الأجهزة والوزارات المرشحة للتخصيص وإعادة الهيكلة أو حتى بعض الأصوات داخل مجلس الأمة التي تحركها مصالح شخصية لمجاميع من الناخبين. ينبغي على الحكومة الجديدة أن تعمل ضمن مفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على أساس شراكة حقيقية مع القطاع الخاص وانفتاح أمام الاستثمار الأجنبي والتخلص من الوزارات والأجهزة التي لم يبق لها مبرر في هياكل الدول الحديثة كوزارة الإعلام ووزارة التخطيط ووزارة المواصلات ووزارة الكهرباء... فمعظم هذه الوزارات تقدم خدمات يمكن للقطاع الخاص أن ينفذها بسهولة وبنجاح وتفوق، وبالتالي تخفف الحكومة من الأعباء على كاهلها سواء العبء السياسي أو المالي، حتى تتفرغ لمسؤوليتها الأساسية كالأمن الاجتماعي والتنمية من أجل أن ينعقد المؤتمر القادم لغرفة التجارة تحت عنوان "اقتصاد الإرادة والتنفيذ".