في أحدث موجة من موجات زيادة أسعار بعض السلع الضرورية بدأت تتبلور بقوة، حددت سبع شركات ألبان رئيسية بالدولة، الشهر المقبل، موعداً لتطبيق زيادة على أسعار منتجاتها تصل في بعضها إلى 30% دفعة واحدة، حيث طلبت هذه الشركات بالفعل من منافذ البيع تحديث قوائم المنتجات لديها حسب الأسعار الجديدة. وإذا كانت هذه الشركات تبرّر هذه الخطوة بزيادة أسعار عناصر الإنتاج المختلفة، بالإضافة إلى زيادة أسعار الوقود، وارتفاع الإيجارات، وتذاكر السفر وغيرها، فإن هذه الزيادة تظل كبيرة بتضمّنها هامشاً للمناورة، كما تأتي هذه الزيادة لتعويض بعض خسائر معركة رفع أسعار الألبان، العام الماضي، والتي دارت بين (الاتحاد التعاوني الاستهلاكي)، و(اتحاد مورّدي الألبان)، وانتهت لمصلحة المستهلك، بعد أن تدخّل مجلس الوزراء ومنع قيام تكتلات بزيادة الأسعار. وفي موجة تضخّمية كبرى تتبلور هي الأخرى، ولكن ببطء، كشفت مجلة "ميد"، الشهر الماضي، عن أن جدلاً واسعاً يدور في أروقة الجهات المعنيّة منذ فترة، حول مخطط لرفع الرسوم المفروضة على استهلاك المياه والكهرباء، بعد أن أصبح انخفاض الرسوم عاملاً مشجعاً على الهدر في الاستهلاك، حيث يعدّ معدل هذه الرسوم من بين أقلّ المعدلات في العالم، ولا يتناسب بأيّ حال مع التكاليف الباهظة التي تتحمّلها الدولة في سبيل الحصول على المياه العذبة والكهرباء، وهو ما يضع مرافق إنتاج المياه والكهرباء بالدولة على قائمة أولويات سياسة الخصخصة. إلا أن أيّ خطوة مباشرة أو غير مباشرة لرفع رسوم استهلاك الماء والكهرباء، في الظروف الراهنة، ربما تكون غير محتملة، وذات أثر واسع النطاق على مستويات التضخم بالدولة، بحكم دخول الماء والكهرباء على نطاق واسع في كلّ أوجه الحياة الاستهلاكية والإنتاجية. وكل المعطيات تؤكد أن الموجة العامة للتضخّم في تصاعد مستمر، وأن أيّ توقعات بانحسار هذه الموجة، خلال هذا العام، تفقد مصداقيتها، إذ أن هناك العديد من العوامل الداخلية والخارجية التي لا تزال تغذّي هذه الموجة، حيث أظهرت دراسات مسحية مؤخراً شملت 144 مدينة في أنحاء العالم، أن دبي تفوق واشنطن من حيث تكاليف المعيشة، بينما تصدّرت أبوظبي مدن الشرق الأوسط كافة من حيث مستوى الغلاء. وفي ظل غياب الدراسات التي توضح بدقة حجم المشكلة، تشكّل دراسة صدرت عن "مركز المعلومات" في غرفة تجارة وصناعة أبوظبي قبل فترة، مؤشراً مهماً لمعرفة الوضع في الدولة بشكل عام، حيث تشير إلى أن متوسط عجز الميزانية الأسرية بالنسبة للإماراتيين وغير المواطنين يتجاوز 1300 درهم شهرياً، وهو ما يشكّل 9% من الدخل الشهري. وإذا كان هذا العجز المتنامي يلقي بضغوط مستمرة ومتزايدة على الأسرالإماراتية متوسطة ومحدودة الدخل- حيث بلغ عدد المتقاعدين الذين يحصلون على إعانات من "الهلال الأحمر" في أبوظبي وحدها أكثر من 600 فرد- فإن هذه الضغوط تدفع في الوقت نفسه بمزيد من الكفاءات الأجنبية إلى خارج الدولة، حيث كشفت دراسة ميدانية أجرتها بعض الجهات المتخصصة مؤخراً، عن أن 6% من الوافدين العاملين بالدول الخليجية ينوون مغادرة المنطقة، والعودة إلى بلدانهم خلال هذا العام. هذه المعطيات جميعها تفرض تحركات ملحّة لمواجهة الغلاء، ومن خلال حزمة من الإجراءات والوسائل والطرق الفنية الاقتصادية والمالية، التي لا تُخلّ بقواعد الحرية الاقتصادية. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية