يُشكل المؤتمر الدولي حول العراق الذي سيعقد في العاشر من شهر أبريل المقبل فرصة يجب الاحتفاء بها والترحيب بقدومها من قبل جميع الأطراف المعنية بمستقبل الاستقرار والازدهار في المنطقة، ذلك أنه بالتقاء المعنيين بالشأن العراقي تحت مظلة واحدة واجتماعهم على هدف موحد، قد يفضي إلى اتفاق جماعي على إدانة الإرهاب ونبذ العنف باعتباره أحد المشاكل الأساسية التي تعصف بالعراق. لكن مجرد الاجتماع والتحاور في حد ذاته لا يعني السلام، إذ لا بد من تدخل منظمة الأمم المتحدة والقيام بدور الوساطة بين جميع الأطراف لإرساء الاستقرار والأمن في البلاد. ويبدو أن إدارة الرئيس بوش مازالت تتجاهل الحاجة إلى تسوية سياسية رسمية بين الأطراف المتصارعة في العراق على غرار ما حصل في البوسنة وكوسوفو، والكونجو وموزمبيق وإيرلندا الشمالية التي أثبتت أوضاعهم أنه لا مناص من التسوية السياسية لتأمين السلام. فالعراق اليوم يموج بحرب أهلية تدور رحاها بين أطراف متعددة، بين السُنة والشيعة وبين الشيعة والحكومة في بغداد، وبين المتمردين وقوات التحالف، ثم بين تنظيم "القاعدة" والجميع. لكن استمرار الصراع والعنف قد يمهد الطريق أمام التفكير في إلقاء السلاح والدخول في مفاوضات بسبب الإرهاق الذي قد يلحق بالأطراف وإدراكهم بعبثية الاستمرار في حرب لا طائل يرجى منها ولا فائدة. غير أنه من دون صياغة إطار سياسي لإحلال السلام، لن تستطيع القوة بمفردها تعزيز الاستقرار ما دام كل طرف من الأطراف يعمل على ربح المزيد من الوقت لإعادة حشد قواه والرجوع إلى العنف، عندما تحين الفرصة المناسبة. وحتى تؤتي جهود إحلال السلام في العراق أكلها، وتفضي إلى النتائج المرجوة لا بد من إشراك جميع الفرقاء ومنحهم فرصة التفاوض والتوصل إلى اتفاق حول مستقبل البلاد. لذا لم يجافِ المؤتمر المزمع عقده خلال الشهر المقبل الصواب عندما ناشد الدول المجاورة بعدم تمويل الإرهاب. ومن المتوقع أن تنكب ورش العمل التي ستشكل خلال المؤتمر على دراسة القضايا المهمة مثل ضمان أمن الحدود، واستيراد الوقود، فضلاً عن معضلة اللاجئين العراقيين. لكن إذا ما أرادت الأطراف المشاركة في المؤتمر استغلال مناسبة لقائها وتحويلها إلى فرصة سانحة لإحلال السلام في العراق وفرض الاستقرار في عموم المنطقة، فلا بد من اللجوء إلى وسيط يتمتع بالنزاهة ويحظى بالمصداقية ليساعد الأطراف كافة على تذليل العقبات وتحويل القضايا الخلافية والشائكة إلى خيارات واعدة. ومع أن الأمم المتحدة لا تملك العصا السحرية القادرة على حل جميع المشاكل دفعة واحدة، إلا أنه لا يوجد على الساحة الدولية جهة محايدة تسعى إلى جلب الاستقرار إلى العراق مثل الأمم المتحدة. ولازلنا نذكر كيف استطاع المبعوث الخاص للأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي أن يتوصل إلى اتفاق حول تشكيل الحكومة المؤقتة في ربيع 2004 عندما فشلت الولايات المتحدة في ذلك. وعلى الأمم المتحدة، لكي تنجح مساعيها في العراق، أن تنطلق من نقاط عملية ومحددة يأتي في مقدمتها مسألة اللاجئين العراقيين الذين وصل عددهم، حسب التقديرات، إلى أكثر من مليوني لاجئ، فضلاً عن 1.8 مليون نازح داخل البلاد. والملاحظ أن الغالبية العظمى من النازحين العراقيين يعيشون مع أفراد عائلاتهم في مناطق أخرى، مع توقعات تشير إلى احتمال نزوح مليون عراقي آخر عن بيوتهم خلال السنة المقبلة، ناهيك عن الظروف الصعبة التي يمرون بها. وفي ظل انعدام الخيارات أمام النازحين العراقيين سيضطرون إلى التكدس في مخيمات للاجئين التي ستتحول إلى مرتع خصب للعنف والتطرف ومكاناً لتجنيد المزيد من العناصر الإرهابية. وهنا يبرز دور وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة للاضطلاع بدورها والسعي إلى حل مشكلة اللاجئين العراقيين المتفاقمة، بحيث يتعين عليها استضافة دول الجوار مثل السعودية والأردن وسوريا وإيران وتركيا والكويت، فضلا ًعن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في لقاءات دورية في الأردن واجتماعات للمتابعة في نيويورك. وفي هذا الإطار يتعين أيضاً على وكالة اللاجئين الأممية التنسيق مع مجلس الأمن لتطوير وتطبيق خطة تهدف إلى معالجة الأزمة الإنسانية في العراق من خلال تسليط الضوء على الأخطار الناجمة عن نزوح أعداد كبيرة من السكان، وإعادة توطينهم في مناطق أخرى. ومهما تباينت مواقف الرأي العام الأميركي حول خطة الرئيس بوش المرتكزة على زيادة عدد القوات الأميركية في العراق، إلا أنه لا بد من دعمهم للمقاربة الدولية وتحمل قسطهم من الأعباء لحل أزمة اللاجئين. ويبقى التحدي الأكبر هو التوصل إلى سلام قابل للاستدامة، بحيث لا يعني اضطلاع الأمم المتحدة بدور أكبر في العراق خروج الولايات المتحدة من اللعبة الدبلوماسية، بل يعني إطلاق يدها لشن حملة دبلوماسية حازمة متعددة الأطراف وتحت المظلة الدولية، ومن دون أن تلعب هي نفسها دور المحكم الذي يصعب الوثوق به. ولم يعد خافياً على أحد اليوم العناصر الأساسية لاتفاق سياسي في العراق، وهي العناصر المتمثلة في اقتسام العائدات النفطية، واقتسام السلطة ضمن نظام فيدرالي، وضمان حقوق الأقليات، ومنح بعض المقاتلين صيغة ما للعفو، ثم تفكيك الميليشيات وإعادة إدماجها. ورغم ما يوفره مشروع قانون النفط الذي اقترحته الحكومة العراقية من أرضية يمكن الانطلاق منها، فإنه لا يعالج المسألة الخلافية المتعلقة بتقاسم الثروة النفطية بين المناطق العراقية. والواقع أنه يتعين اختبار مجموعة من الأفكار قبل التوصل إلى عملية سياسية قابلة للنجاح، إذ يمكن البدء في هذا الصدد بتخويل الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" صلاحية اقتراح صيغة سياسية للحل يوافق عليها وزراء خارجية الدول المعنية. وبالطبع سيكون المسؤولون العراقيون في قلب الحدث مع مشاركة فعلية لدول الجوار على أن يتعهدوا في مرحلة لاحقة بالبقاء خارج لعبة النفوذ في العراق. وبموازاة ذلك يتعين على الولايات المتحدة التأكيد على أن الهدف من تواجدها العسكري في العراق هو خلق بيئة ملائمة تقود إلى السلام. وسيكون مدى التقدم المحرز باتجاه السلام هو المعيار الوحيد الذي يقاس به مدى إمكانية استمرار القوات الأميركية في بالعراق، أم سحبها منه. لذا يتعين على السياسيين الأميركيين أن يصارحوا الرأي العام، بأنه لا مناص من بقاء قواتهم في العراق، إذا ما تم التوصل إلى اتفاق سياسي. فقد احتفظ حلف شمال الأطلسي بقوات له في البوسنة حتى بعد مرور تسع سنوات على اتفاق "دايتون"، ومازالت القوات الأوروبية مرابطة هناك إلى غاية اللحظة. وإذا كانت أجواء العنف المتصاعد في العراق والتاريخ الطويل للمظالم تقلل من احتمال التوصل إلى اتفاق سياسي، فإنه من غير الوارد على الإطلاق تحقيق أي نجاح عسكري بمعزل عن صيغة سياسية متفق عليها. والآن بعد أن انطلق الحوار بشأن العراق فليُعهد به إلى وسيط دولي نزيه قادر على الوصول إلى النتائج المرجوة. كارلوس باسكوال مدير دراسات السياسة الخارجية في معهد "بروكينجز" ينشر بترتيب خاص مع خدمة " لوس أنجلوس تايمز واشنطن بوست "