عندما صك هنري كيسنجر عبارة "الغموض البناء" أثناء محاولاته التوصل إلى سلام متفاوض حوله بين الفلسطينيين وإسرائيل، لم يكن يتوقع يوماً ما أن يلجأ الفلسطينيون إلى نفس العبارة في مبادرتهم للسلام. ويعتمد هذا الغموض الذي يمكن رصده في أجندة حكومة الوحدة الفلسطينية الجديدة على الزاوية التي نطل منها على الأمور، وما إذا كنا نرى نصف الكأس الممتلئ، أم نركز فقط على نصفه الفارغ. فإذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة ترغبان في الدفع قدماً بعملية السلام، فإن الكأس في هذه الحال نصف ممتلئ، أما إذا غابت الإرادة الحقيقية لصنع السلام ودفع ما يستوجبه ذلك من ثمن، فإن كل ما سيظهر هو نصف الكأس الفارغ. لقد تبنى الفلسطينيون منذ أكثر من عام، وبتشجيع من المجتمع الدولي، الديمقراطية الانتخابية، وذلك حتى قبل أن يتمتعوا بالسيادة على أراضيهم وينهوا الاحتلال الإسرائيلي. وهكذا تخلصوا من قادة "فتح" العلمانيين الذين تولوا السلطة لفترة طويلة واستبدلوهم بأعضاء حركة "حماس". لكن التجميد غير العادل للمساعدات التي كانت تقدم إلى الفلسطينيين ولد اضطرابات اجتماعية، وإرهاصات حرب أهلية، ولم يتوقف التدهور في الأوضاع إلا بعد الاتفاق الأخير بين "فتح" و"حماس" الذي أفضى إلى حكومة الوحدة الوطنية. ولعلها المرة الأولى في تاريخ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي التي تبدي فيها أغلبية فلسطينية، بما فيها "حماس" استعدادها للقبول بدولة فلسطينية ضمن الحدود الدولية لعام 1967. ويبرز الاعتراف الضمني بإسرائيل في البنود المتضمنة في الاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل التي نصت على الاعتراف المتبادل، فضلاً عن احترام القرارات العربية والمعاهدات الدولية. لكن بإصرار إسرائيل وبعض القوى الدولية على ضرورة الاعتراف الصريح بإسرائيل قبل البدء في المفاوضات، فإنهم يجانبون المنطق. فلم يجرِ في السابق أن اعترف شعب، يفتقد إلى السيادة على أراضيه، بالمحتل الذي لم ترسم حدوده بعد ومازالت حيثياتها غامضة. كما أنه بقبول الفلسطينيين بدولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة جنباً إلى جنب مع إسرائيل، يكونون قد أعلنوا حدود دولتهم وطرحوا إمكانية الاعتراف المتبادل من خلال المفاوضات الثنائية بين الطرفين. من جانبه دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، القائد الأعلى للجيش، إلى إنهاء الاحتلال من خلال المفاوضات، ورفض رفضاً قاطعاً اللجوء إلى العنف. وبينما تصر حكومة الوحدة الوطنية على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، إلا أنها تركز أولوياتها على الأساليب غير العنيفة. والأكثر من ذلك تعتبر رغبة حكومة الوحدة الفلسطينية توسيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ليشمل الضفة الغربية بمثابة غصن زيتون تمده إلى الإسرائيليين حتى قبل الشروع في المفاوضات. ومن الناحية السياسية تمهد حكومة الوحدة الوطنية الطريق المنطقي للوصول إلى مفاوضات تنهي الصراع وتقترح حلاً دائماً يقيم سلاماً بين إسرائيل والفلسطينيين. فالحكومة الجديدة تخول الرئيس محمود عباس ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي يرأسها الصلاحية الكاملة للتفاوض مع إسرائيل حول اتفاق للسلام. وما أن يتم التوصل إلى هذا الاتفاق حتى يصادق عليه المجلس الوطني الفلسطيني، أو يتم عرضه على الاستفتاء العام. وعلى الصعيد الشعبي تظهر استطلاعات الرأي مساندة قوية من الفلسطينيين لسلام قائم على حل الدولتين، لذا فإن أي اتفاق يتوصل إليه الرئيس محمود عباس مع إسرائيل سيحظى بتأييد شعبي واسع ويمكن تمريره حتى بوجود "حماس" في السلطة. ولا شك أن هذا السلام الذي ستفاوض بشأنه شخصية فلسطينية معتدلة وستدعمه أغلبية صامتة في المجتمع الفلسطيني سيلقى فرصة أكبر للنجاح والاستمرار. وطبعاً يبقى البديل التوقيع على اتفاق سري مع إسرائيل في غياب التأييد الشعبي لينتهي به المطاف إلى الفشل على غرار ما تم بشأن اتفاقات "أوسلو". أما الذين يعارضون السلام فيركزون أنظارهم على النصف الفارغ من الكأس ويشيرون إلى رئيس الحكومة الفلسطينية الذي ينتمي إلى حركة إسلامية لم تحسم بعد موقفها الاستراتيجي تجاه إسرائيل. ويتابع الذين لا يهتمون بالسلام أن "حماس" ترفض الاعتراف بإسرائيل ويتخذونها ذريعة للتمسك بمواقفهم المتصلبة. ومن جانبهم يرى مؤيدو "حماس" بأن منظمة التحرير الفلسطينية أمضت ثلاثين سنة قبل أن تعترف بإسرائيل، وبأن حركتهم قطعت شوطاً كبيراً خلال الاثنى عشر شهراً الماضية لقبولها بدولة فلسطينية في حدود عام 1967. هذا ويظهر التزام "حماس" باتفاق وقف إطلاق النار أنه يمكن الوثوق بها للوفاء بتعهداتها. ولا بد من التذكير هنا أنه في يونيو 1967 قامت إسرائيل باحتلال الأراضي الفلسطينية والعربية، ومازال الجيش الإسرائيلي حتى بعد مرور أربعين عاماً على ذلك التاريخ، يحتل الأراضي ويقمع السكان، كما أن الحكومة الإسرائيلية مازالت تشجع على بناء المستوطنات غير القانونية داخل الأراضي المحتلة في تحد سافر لقرارات الأمم المتحدة. ولازلت أذكر أنه مباشرة بعد احتلال الأراضي الفلسطينية والعربية قال "موشي دايان" بأن الإسرائيليين ينتظرون مكالمة هاتفية من أي قائد عربي، غير أن العرب أصروا على عدم الاعتراف بإسرائيل، أو التفاوض وعقد سلام معها. لكن منذ ذلك الحين غير الفلسطينيون والعرب من مواقفهم واقترحوا على إسرائيل فرصة السلام والمفاوضات والاعتراف مقابل الانسحاب إلى حدود 1967. وفي هذا السياق ستصادق الحكومة الفلسطينية الجديدة التي ستشارك في القمة العربية على مبادرة السلام العربية التي طرحت أول مرة في بيروت عام 2002 وتدعو إلى مبادلة الأرض بالاعتراف وتطبيع العلاقات. لقد حان الوقت لإسرائيل والمجتمع الدولي أن ينظرا إلى النصف الممتلئ من الكأس عبر اختيار العمل من أجل السلام، فإما أن يملأوا ما تبقى من الكأس، أو يبقوا متفرجين حتى تجف آخر قطرة فيه. داود قطب صحفي فلسطيني ومدير معهد "الإعلام الجديد" في جامعة القدس برام الله ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست "