من الواضح، وبشكل قاطع، أن العرب قد حصلوا على درجة الرسوب بالغياب (FA ), سواء في مصر الدولة ذات التاريخ الليبرالي, أم لبنان الحضاري في مجال حرية التعبير، أم الكويت الدولة الأكثر تجربة في الديمقراطية على مستوى الخليج... والسؤال: لماذا يرسب العرب في اختبار الديمقراطية, ولديهم كل المؤسسات التي يمكن أن توفر ديمقراطية حقيقية؟ أعتقد أن السبب يعود في الأغلب إلى حقيقة عدم حيازة العرب على ذلك القدر من الثقافة الذي يؤهلهم للتعامل مع الديمقراطية. وكما هو معروف أن الإنسان العربي لا يقضي أكثر من ست دقائق في اليوم في القراءة! وسأزيدها ربع ساعة من عندي لتفادي أية مبالغة أو خطأ في الحساب. كيف يمكن للديمقراطية أن تنمو في مناخ من الجهل الكثيف؟ نعم، العرب أمة جاهلة برغم الملايين الذين يقرؤون ويحملون شهادات علمية (تجاوزاً). وليس من الظلم للعرب اتهامهم بانخفاض مستوى الوعي, وإدراك قيمة الأشياء. ولهذا لا مجال لأي تطور أو رقيٍّ حضاري إلا ببناء الثقافة في عقل الإنسان العربي, ومن خلال الثقافة يمكن لشيء من الأمل أن ينغرس في العقل العربي. ومن الواضح أن هيمنة الفكر الديني المتشدد في المناهج التعليمية والحياة الاجتماعية, والذي وصل إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ العرب من الدروشة والهذيان بالدين في كل شيء, من الأسباب الرئيسة لهذا التدهور. العرب كأمة لا تعرف في تاريخها الكلمة المكتوبة, ويعد القرآن أول كتاب كُتب باللغة العربية في تاريخ هذه الأمة! ولا تصدِّقوا حكاية المعلّقات الشعر التي كانت تُعلّق على أستار الكعبة, لأنه من غير المنطقي أن يحدث ذلك وجموع الأمة لا تقرأ, ومن مبالغات العرب أنها كانت تكتب بماء الذهب! وصدق المثل الشعبي "حدِّث العاقل بما يليق, فإن حدثته بما لا يليق فصدَّقك.. فلا عقل له". والعرب أمّة أمِّية، لا تقرأ ولا تكتب. ومن الأمية العامِّية، انتقل العرب بعد التعليم إلى الأمية الثقافية, ولا فخر. وهم لا يزالون من أقل أمم الأرض قراءة, فالمكتبات العامة مهجُورة, والكتب الفكرية ممنوعة, والحرية الفكرية مُنعدمة، ولله الحمد في الأولى والآخرة. لذلك يجب أن تتدارك الحكومات العربية هذه الكارثة بالعودة إلى الثقافة العربية, المتمثلة في الشعر, والمعروف بـ"ديوان العرب". ومن خلال الشعر يمكن تقويم اللسان العربي المعوج, كما يمكن من خلال المقطوعات الشعرية تهذيب الأخلاق التي تعاني انهياراً غير مسبوق في تاريخ العرب. ومن المعروف أن الشعر يهذب النفوس الغاضبة, ويوسع المدارك الفكرية. وكذلك الأمر مع قراءة التاريخ. وليس بالضرورة التأكد من صحة الحوادث التاريخية, فالتاريخ ليس مصدر ثقة, لكنه يساهم في بناء المعرفة والثقافة لدى الطلبة. لكن هل يملك العرب الأساتذة المؤهلين لمثل هذا الأمر العظيم؟ فالمعروف أن التعليم مهنة مَن لا مهنة له! والكفاءة المهنية في مجال التدريس يعتورها خلل كثير لأسباب عديدة, مثل انخفاض المرتبات وضعف المناهج العقلية, وهيمنة الفكر الديني, وضعف التعليم الجامعي بشكل عام, لكن مع كل هذا السوء, من الممكن أن تشكل الثقافة مدخلاً جيداً لتحريك العقول الجامدة أو المشلولة في عالم عربي يعاني من قلة الاحترام، وقلة المشاركة في صياغة الحضارة الإنسانية.