كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول الهوية في الدول الخليجية جميعها، للدرجة التي دفعت أحد المسؤولين الخليجيين للقول إنه لا يستبعد "أن يكون لدينا وزراء لا يتحدثون اللغة العربية"، في غضون عشر إلى عشرين سنة. فرغم ما في هذه النظرة من مبالغة واضحة، فإن الهوية الخليجية تستمر في التراجع بوتيرة متصاعدة مع حركة التحولات الاقتصادية والانفتاح الكبير الذي تشهده هذه الدول، ما يجعل من الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية والقيم المجتمعية مهمة بالغة التعقيد، بينما تجتذب الطفرة الاقتصادية التي تشهدها الدول الخليجية حالياً المزيد من تيارات الهجرة من أصقاع الكرة الأرضية محمّلين بثقافات وعادات خارجية متباينة. من خلال هذا المنظور، فإن دولة الإمارات معنية أكثر من غيرها بهواجس الهوية، حيث تشير النتائج الأولية للتعداد السكاني الأخير إلى أن الأجانب يشكلون نحو 80% من مجموع السكان في الدولة، أما على مستوى قوة العمل، فإنهم يمثلون ما يزيد على 90% من مجموع العاملين في الدولة، بينما تشير بعض الدراسات الميدانية إلى أن من بين كل 100 عامل في القطاع الخاص هناك 88 عاملاً غير عربي، يسيطرون على مختلف المشاريع والأعمال في مختلف المجالات، في حين يشكل الإماراتيون والعمال من الجنسيات العربية الأخرى معاً نحو 12% فقط من مجموع العاملين في هذا القطاع. فمهما سيق من مبررات وحجج لتبرير وتفسير استمرار هذا الضغط والاستسلام لسياسة الأمر الواقع فسوف تكون تلك الحجج والمبررات واهيةً ومدحوضة أمام الحد الأدنى لمطالب الحفاظ على محددات الهوية الإماراتية. فالساحة الإماراتية تشهد اليوم مواجهات قوية وغير منصفة بين الهوية الوطنية والثقافات الوافدة، ما يدفع المجتمع الإماراتي لتقديم تنازلات مستمرة في جوانب عدة، منها سلامة اللغة واندثار العادات والتقاليد والقيم المجتمعية وغيرها، حتى إن أفراد شعب هذه الدولة نادراً ما يشار إليهم باسم جنسيتهم، وغالباً ما يطلق مصطلح "المواطنين" ليقصد به "الإماراتيون"، وهو تغييب واضح للهوية الوطنية في عنوانها الرئيسي. ليست العمالة الوافدة بتياراتها الثقافية المختلفة هي وحدها العنصر الفاعل في هذه المواجهات، بل هناك أطراف أخرى لا تقل فاعلية، كذلك هناك بعض الصحف، لا نقول الإماراتية ولكن "العاملة في دولة الإمارات"، والعديد من المؤسسات العاملة في هذه الدولة، تشكل أضلاعاً أخرى في هذه المواجهة، بينما يقف التعليم، أمام كل هذا الخلط في الهوية الوطنية عاجزاً تماماً. إلا أن هذا الأخير والمسؤول الأول في صيانة الهوية الوطنية تتجاذبه تيارات داخلية من جهة مواكبة متطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل وتطوير المحتوى التعليمي ورفع مستوى الكفاءة الداخلية، وتشده في الوقت نفسه تيارات خارجية من جهة مسايرة إيقاع التطورات العالمية المتسارعة في مختلف أنماط ومجالات الحياة، وبين هذا وذاك تشهد الساحة التعليمية باستمرار هجرة عكسية من المدارس الحكومية إلى المدارس الأجنبية الخاصة التي تتكاثر بصورة مطردة، وتلقى إقبالاً كبيراً من الإماراتيين، وهي من جانبها تكرس لثقافات وقيم مختلفة، وبكل تأكيد لا تعنيها مسألة الهوية الإماراتية. قد لا يكون البعض مدركاً في الوقت الراهن حجم مشكلة الهوية الإماراتية بسبب تسارع إيقاع النمو الاقتصادي، ولكن تظل معالم هذه الهوية تتآكل باستمرار، ما يتطلب تحركات جدية على أعلى المستويات، إذ إن السيادة الوطنية بكل عناصرها، بما فيها الثقافية، بالنسبة إلى دولة الإمارات هي فوق كل اعتبار، وعلى الجميع أياً كان أن يدور في فلكها، وهو الاتجاه الذي أصبحت تكرس له بعض الجهات الحكومية بوضوح مؤخراً من خلال فعاليات عدة وفي أكثر من اتجاه. ـــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية