"ترصد المنظمة ما تقترفه الحكومات من أفعال في مجال حقوق الإنسان، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، وتكتلاتها الجغرافية السياسية، ومذاهبها العرقية والدينية... والهدف الذي تنشده من وراء ذلك هو محاسبة الحكومات التي تتعدى على حقوق مواطنيها". بهذه العبارات تعرف "منظمة مراقبة حقوق الإنسان" نفسها مشيرة إلى قيامها بتحقيقات منتظمة ومنهجية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في نحو سبعين بلداً في مختلف أنحاء العالم. إضافة إلى إصدارها لتقارير سنوية تعنى برصد تلك الانتهاكات في دول العالم. وتشير المنظمة إلى أنها "منظمة غير حكومية مستقلة، تدعمها مساهمات الأفراد والمؤسسات الخاصة في شتى أنحاء العالم؛ ولا تقبل المنظمة أية أموال من الحكومات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر". والاستقلال المادي بالطبع يدحض الادعات الحكومية بأن تقارير المنظمة مُسيسة أو موجهة لخدمة طرف على حساب آخر. وتعتبر تقارير منظمة مراقبة حقوق الإنسان من التقارير التي يعتد بها عند النظر في سجل الدول في مجال حقوق الإنسان، وتؤخذ بعين الاعتبار عند محاولة دولة الانضمام إلى منظمات دولية أو اتفاقيات اقتصادية أو الدخول في شراكة تجارية مع غيرها من الدول، وكل ذلك جعل الدول حريصة على الاطلاع على التقرير السنوي، ومتابعة التقارير الخاصة التي تصدرها المنظمة حول أوضاع معينة في بعض الدول. بالاطلاع على التقرير وخاصة التقرير الخاص بدولة الإمارات العربية المتحدة يردنا عدد من الملاحظات: أشار التقرير إلى ثلاثة مواضيع رئيسة هي: "حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير"، و"العمالة الوافدة"، و"الاتجار بالبشر"، وبمقدمة أوجزت فيها المنظمة خطوات الحكومة في سبيل انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني إلا أنها أشارت إلى ركود المجتمع المدني وبطء التقدم في مجال حقوق الإنسان، مشيرة إلى الهوة بين النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية بالدولة. يشير البند الأول المعنون بـ"حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير" إلى أن "جمعية الإمارات لحقوق الإنسان" لم تمارس الأعمال المفترضة أن تمارسها جمعية لحقوق الإنسان بسبب استمرار المنازعات بين أعضائها، فيما يرجع التقرير إلى سنوات ماضية عندما تقدم فريقان لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية لإشهار جمعيتين لحقوق الإنسان فيما لم يحصل الطرفان على أي رد من الوزارة حتى تاريخه. ويشير التقرير إلى نقص حرية التعبير في دولة الإمارات، ثم ينتقل التقرير بالإشارة إلى ملاحقات قضائية لمن تعتبرهم المنظمة من المدافعين عن حقوق الإنسان، وينتقل التقرير بعد ذلك ليشير إلى عدم حصول مأوى للنساء والأطفال المعنفات لتصريح رسمي. لسنا بصدد الدفاع عن الموقف الحكومي فلسنا معنيين بالدرجة الأولى، لكن ما تجدر الإشارة إليه في هذه الجزئية أن ما يعد خروقات هو بالأساس إجراءات إدارية، فعدم رد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك على طلب تكوين الجمعيات وفقاً للإجراءات الرسمية المعتمدة في قانون إصدار الجمعيات هو خرق للقانون، ووزارة الشؤون الاجتماعية معنية بشكل أساسي في تطبيق الإجراءات والقوانين المنظمة للعمل. وكذلك بالنسبة للتصريح للمأوى المشار إليه، فلا يجب أن تترك الأمور للتأويل أو التلميح بما يضر مصلحة الدولة، أما عن ملاحقة قضائية لبعض الأشخاص بالدولة فالقضاء كفيل بدحض أي ادعاءات وإصدار الأحكام بالإدانة أو التبرئة. يتطرق التقرير باختصار إلى العمالة الوافدة في الدولة مشيراً إلى أن الأجانب يشكلون نحو 80 في المئة من سكان الإمارات، وهم يمثلون 90 في المئة من قوة العمل في القطاع الخاص، وتشير المنظمة إلى أوضاع العمالة الوافدة في الدولة معتبرة أنهم يتعرضون، لاستغلال شديد، ويشير التقرير إلى أنه "من بين الانتهاكات التي يتعرض لها العمال المهاجرون عدم دفع الأجور، وإطالة ساعات العمل دون دفع تعويض عن الساعات الإضافية، وظروف العمل غير الآمنة والتي تسفر عن وفاة وإصابة بعض العمال، وظروف المعيشة البائسة في معسكرات العمال، واحتجاز جوازات السفر ووثائق السفر الخاصة بالعمال". وكانت المنظمة قد أصدرت تقريراً أسمته "بناء الأبراج خداع العمال" بتاريخ 12 نوفمبر 2006، أشارت فيه تفصيلاً إلى ما اعتبرته انتهاكات لحقوق العمال في دولة الإمارات. ويركز كلا التقريرين على النقاط السلبية دون أية شارة للخطوات الإيجابية التي اتخذتها الدولة سواء بالنسبة لإنشاء الدولة محاكم عمالية لسرعة البت في القضايا، أو إنشاء الدولة لجاناً لتحسين ظروف العمالة المؤقتة، ومنها "اللجنة الدائمة للعمال"، إضافة إلى صدور قرار بإلزامية التأمين الصحي لجميع العمال في القطاع الخاص في دولة الإمارات، مع صدور التأمين الصحي لجميع العمال في القطاع الحكومي في الدولة. وحقيقة أن تضخيم السلبيات مع الإقرار بوجودها دون الإشارة إلى الخطوات الإيجابية يرمي بظلال من الشك حول مصداقية منظمة دولية تحظى باحترام دولي. ينتقل التقرير إلى الإشارة لقضية الاتجار بالبشر، ويستند إلى تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول الاتجار بالبشر في دولة الإمارات مركزاً على قضية استخدام الأطفال كركبية للجِمال، ويشير إلى القانون الاتحادي الذي يحظر استخدام الأطفال الأقل عمراً من 18 سنة في سباقات الهجن، وتعمل وزارة الداخلية بشكل جدي طوال السنوات الماضية على حظر استخدام الأطفال وإعادتهم إلى ديارهم بالتعاون مع منظمة اليونيسيف. فعملياً تقلصت المشكلة خاصة مع إصدار الدولة للقانون الاتحادي رقم (51) لسنة 2006 لمكافحة الاتجار بالبشر، وهو الأول من نوعه على المستوى العربي، والذي يعرف في مادته الأولى جريمة الاتجار بالبشر، كما يقر عقوبات تصل إلى السجن المؤبد. ومن جديد في الختام يقتبس التقرير من التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية لعام 2006 بشأن الاتجار في البشر، خاصة في سبيل مكافحة الاتجار بالنساء لأغراض جنسية، وكان الأجدر من منظمة مستقلة ألا تستقي معلوماتها من تقارير حكومية قد تصب في النهاية في مصلحة الدولة صاحبة التقرير، وقد لا تعطي الصورة الكاملة عن الوضع. بشكل عام ألقى التقرير الضوء على قضايا وتعرض لانتهاكات لحقوق الإنسان حسب المعايير الدولية، ورغم الجهود المبذولة في مختلف القضايا إلا أن هناك حاجة ماسة من الجهات المعنية بالدولة للالتفات للتقارير الدولية لما لها من تأثير على سمعة الدولة في المجتمع الدولي، وعلى جهود الدولة للانضمام إلى اتفاقيات أو منظمات أو حتى لتعزيز مواقف الدولة في أية مفاوضات تجارية حالية أو مستقبلية. قراءة التقرير لا تستدعي الرفض التام لمحتواه، فمع التحفظ على بعض ما جاء فيه إلا أن من الواضح أن هناك قضايا ملحة من شأنها أن تسيء لسجل الدولة، وعلى رأسها قضايا العمالة الوافدة، رغم كل الجهود المبذولة إلا أنه من الواضح أنها غير كافية أو بحاجة إلى التسويق على المستوى الدولي. فالرفض لا يجدي والإنكار لا يخدم أية قضية، وخاصة أن لغة حقوق الإنسان لغة عالمية. ولحديث العمالة الوافدة بقية.