شيراك "يدعم" ساركوزي في "الرئاسيات"... و"مهمة" بوش مستحيلة في العراق ------------- تداعيات إعلان الرئيس جاك شيراك عن دعمه لمرشح الرئاسيات الفرنسية "نيكولا ساركوزي"، ودخول أزمة إقليم دارفور السوداني إلى موضوعات خطابة الحملة الانتخابية، واحتمالات الانسحاب الأميركي من العراق، موضوعات ثلاثة نضعها تحت دائرة الضوء في سياق جولة سريعة في الصحافة الفرنسية. شيراك يدعم ساركوزي... ولكن: صحيفة لوموند خصصت افتتاحية لحمى استطلاعات الرأي التي تجتاح فرنسا الآن وهي على موعد مع الدور الأول من الانتخابات الرئاسية بعد أسابيع قليلة. وقد نبَّهت الصحيفة إلى عملية التوظيف غير البريئة التي يمارسها بعض المرشحين ومؤيدوهم لـ"لغة الأرقام"، و"الحيادية"، و"الموضوعية" المزعومة التي تدعيها استطلاعات الرأي. وفي سياق ذي صلة بالحملة الانتخابية دائماً جاء إعلان الرئيس جاك شيراك هذا الأسبوع عن دعمه لمرشح حزبه وزير الداخلية -الموشك على ترك حقيبته الوزارية- نيكولا ساركوزي، ليكون موضوع افتتاحيات كثيرة في الصحف الفرنسية. في صحيفة ليبراسيون كتب "جان دوميرسون" افتتاحية اعتبر فيها أن دعم شيراك المُعلن الآن لـ"وريثه" الحزبي مسألة مُعقدة من الناحية السياسية، حتى وإن لم تبدُ كذلك ظاهرياً. فشيراك الذي عبَّر لكل الفرنسيين في خطابه الوداعي قبل أيام عن محبته لهم جميعاً، قد يكون يُضمر، في الحقيقة، لساركوزي أقل قدر من تلك المحبة بين كل الفرنسيين. وقد عكست ذلك الصيغة اللفظية التي انتقاها شيراك حين قال إن تأييده الشخصي هو "بطبيعة الحال" لساركوزي. ومعنى هذا واضح، وهو أنه ليس أمام شيراك خيار آخر. وما يمكن تخيله بسهولة هو أن رئيس الجمهورية إذا كان سيصوِّت حقاً لوريثه المُشاكس كما ادعى، فلاشك أنه سيفعل ذلك "دون همَّة". وفي صحيفة لوفيغارو كتب "ألكسيس بريزيه" افتتاحية لعبت أيضاً على نفس الوتر، وجاءت بعنوان: "شيراك، بطبيعة الحال"، قال فيها إن طريقة إخراج الرئيس لإعلان تأييده لمرشح حزبه دلّت على كل شيء. فقوله بعبارات باردة إن هذا التأييد "بطيعة الحال" خيار "شخصي"، هو قول يذكِّر بكل تلك المعارك، والشكوك، والخصومات الشخصية، القائمة بين الرجلين، والتي يسعيان الآن للتغطية عليها بظهورهما بمظهر المتحلّيين بروح المسؤولية، والساعيّين لتوحيد صفوف ناخبي اليمين الفرنسي دون استثناء. وفي "لادبيش" كتب "جان كريستوف جيسبر" افتتاحية لفت فيها الانتباه إلى توقيت إعلان شيراك دعمه لساركوزي، وهي لحظة باتت معظم استطلاعات الرأي فيها تؤكد تراجع شعبيته في مقابل منافسته الاشتراكية سيغولين رويال، ومرشح "الوسط" فرانسوا بايرو. أما في "لاربيبليك دي سانتر" فقد ركزت افتتاحية "جاك كامي" على صيغة إعلان شيراك، التي مؤداها المنطقي: 1- أنا من أنشأتُ حزب "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية" UMP. 2- حزب UMP اختار ساركوزي مرشحاً للرئاسيات. 3- إذن أنا مضطر "بطيعة الحال" لتأييد نيكولا ساركوزي! ولاشك أن ساركوزي سيرتاح لهذا الإعلان، فتأييد شيراك يفيده، ولكن بشرط ألا يمضي الرئيس في تأييده بعيداً، لأن "ساركو" مصمم على إحداث قطيعة مع الأسرة الشيراكية برمتها، وهي قطيعة باتت اليوم محبذة في بعض أوساط "اليمين" الحاكم. أزمة دارفور في صلب الحملة الرئاسية الفرنسية: لم تبقَ قضية دولية لم يقحمها المتسابقون إلى قصر الأليزيه في برامجهم وخطابتهم الانتخابية الحمومة، بما في ذلك قضية دارفور. وقد سجلت الصحف الفرنسية المحلية ذلك، وهذا عميق الدلالة طبعاً، من باب أن اهتمام صحف الأقاليم عادة بالقضايا الدولية محدود. في "الإندبندان دو ميدي" كتب "برنار ريفيل" افتتاحية قال فيها إنه على رغم مرور أربع سنوات على أزمة دارفور التي اندلعت في فبراير 2003، والتي تلتها الحرب الأميركية على العراق في أقل من شهر، وتحديداً يوم 20 مارس 2003، إلا أن هذه السنوات الأربع لم يبذل فيها المجتمع الدولي الجهد الكافي لوقف المآسي التي تحصل في ذلك الإقليم المنكوب. ودعا الكاتب المترشحين للرئاسيات الفرنسية إلى التعهد بعمل شيء ما لصالح حل أزمة دارفور تحديداً. وهذه الدعوة إلى التعهد بالعمل لإنهاء أزمة دارفور نجدها أيضاً في افتتاحية لـ"جيل كلورت" في "نور أكلير"، كما نجدها وإن كان ذلك بعبارات تحريضية أشد نبرة وأكثر مباشرة في افتتاحية لـ"باتريس شابانيه" في "لوجورنال دو لاهوت مارن". وفي مجلة "لوبوان" كتب برنار هنري ليفي مقالاً دعا فيه فرنسا وأوروبا كلها إلى حشر الصين الآن في الزاوية وإفهامها أن المجتمع الدولي لن يبقى صامتاً على غطاء الحماية الدولية الذي توفره للسودان، مما يمنع مجلس الأمن الدولي من إصدار عقوبات رادعة بحق الخرطوم، على حد زعم الكاتب. مهمة أميركا المستحيلة في العراق: مرت هذا الأسبوع الذكرى الرابعة للغزو الأميركي للعراق، وقد كانت المناسبة فرصة لكتاب الافتتاحيات ومقالات الرأي في الصحف الفرنسية لمساءلة المشروع الأميركي في بلاد الرافدين، ولمقاربة ما انتهى إليه. في صحيفة لوفيغارو كتب "ستيفان مارشان" افتتاحية قال فيها إنه على رغم مرور أربع سنوات على حرب العراق فإن أصدقاء أميركا الأوروبيين ما زالوا ينتظرون سماع خبر تحقيق أية نتائج إيجابية، لكن دون طائل. فبعد مقتل عشرات الآلاف من العراقيين، وأكثر من 3200 جندي أميركي، وجرح وإصابة 32 ألفاً آخرين، ما زالت استراتيجية الرئيس بوش هناك تسير من انكسار إلى آخر. فقد ازداد وضعه الحزبي هشاشة في واشنطن نفسها بعدما سيطر منافسوه "الديمقراطيون" على مجلسي الكونجرس. كما اضطر أخيراً إلى قبول التعاطي مع دمشق وطهران، ولم يعد يسمع من الجمهور الأميركي سوى المطالبة بالانسحاب وقطع "المهمة"، بأي شكل. ويذهب الكاتب إلى أنه إذا كانت خيارات الأميركيين باتت كلها تصب في اتجاه "الانسحاب" فإن على أوروبا أن تتدبر هي الأخرى أمورها من الآن فصاعداً لأنها هي الطرف الدولي المحكوم عليه بجوار شرق أوسط بات أقل استقراراً بكثير. وتستطيع أوروبا اليوم عمل الكثير لمساعدة أميركا على الخروج من المستنقع العراقي، ولتهدئة جموح أزمات الشرق الأوسط أيضاً. وعلى النقيض من ذلك نصح "جيل كلورت" في افتتاحية بـ"نور أكلير" بعدم الانسياق وراء "أوهام" قرب أو حتى حتمية "الانسحاب" الأميركي من العراق. فإذا كان الرأي العام الأميركي يريد عودة الجنود، دون قيد أو شرط، فإن "الديمقراطيين" المسيطرين على الكونجرس، أثبتوا أنهم يتعامون عن مواجهة خطط البيت الأبيض، والدليل تغاضيهم عن إرسال التعزيزات الأخيرة التي قررها بوش، وعدم اندفاعهم لقطع التمويل عن الحرب. وهو نفس الطرح الذي نجده في افتتاحية أخرى بـ"لاشارانت ليبر" كتبها "جاك غوييون"، ونبَّه فيها إلى صرامة التصريحات الأخيرة لكل من بوش ووزير خارجيته، والمؤكدة على استحالة أي انسحاب أميركي سابق لأوانه. ولكن الكاتب اعتبر، مع ذلك، أن تصريحات من هذا القبيل، موجهة أساساً لتجميل الصورة، وللاستهلاك المحلي، أكثر من كونها تعبيراً عن ثقة في النفس، أو رهان جدي على المستقبل. وأخيراً في لوفيغارو أيضاً كتب "أدريان جولمز" مقالاً بعنوان: "مهمة أميركا المستحيلة: الفوز في حروب العراق الأربع"، والإشارة طبعاً إلى الحرب بين المقاتلين السُّنة، وقوات الاحتلال. والحرب بين المقاتلين السُّنة والشيعة. والحرب بين المجموعات الشيعية فيما بينها. والحرب بين "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" والقوات الأميركية. فكل هذه الحروب الأربع المتزامنة، يستحيل أن تربحها أميركا في وقت واحد، كما يقول الكاتب، الذي يستعير هذا التصنيف الرباعي من تصريح لوزير الدفاع الأميركي "روبرت غيتس". إعداد: حسن ولد المختار