أيام معدودة تفصلنا عن انعقاد القمة العربية العادية في الرياض، بعد أن سبقتها، وسوف تلحقها وتعقبها، تحليلات ومقالات وأحاديث وحوارات حول الجدوى من هذه القمة بل والقمم العربية السابقة في حل المشكلات العربية المزمنة، في محاولة للوقوف على الأسباب التي تجعل من اجتماعات القمم العربية أمراً غير مُجدٍ، والتعرف على أوجه القصور في قمة الأداء العربي. لذلك يجب أن تكون للقمة وقفة موضوعية تحدد فيها الهدف الحقيقي من اجتماعاتها، وإذا كان الهدف هو التشاور ولمّ الشمل، فلماذا لا تعلن ذلك صراحة، وتنفضّ القمة دون بيانات "عنترية" أو تصريحات "نارية"؟ أما إذا كان الهدف من القمة هو وضع حد لمعاناة بعض الشعوب العربية، وطرح حلول نهائية للأزمات المتراكمة، فأعتقد مُخلصاً أن المطلوب من القمة عمل آخر غير الذي يحدث حالياً. من المعروف أن عقد القمة لا يأتي مفاجئاً لأحد، بل هو أمر يجري الاتفاق عليه بين الزعماء والرؤساء والقادة العرب قبل عام من انعقادها، لذا كان يجب أن تقوم الأمانة العامة لجامعة "عمرو كوسة العظمى" بالإعداد والتحضير الكافيين لجدول أعمال القمة، وإيجاد اتفاق عام حول القضية المحورية للقمة، ووضع دراسات دقيقة وشاملة ومتكاملة لأبعادها والخيارات المتاحة لحلها، وترجيح إحداها وفق حسابات العائد والخسارة، ثم تنسيق الجهود العربية لتبني هذا الخيار ووضع الخطوات الكفيلة بتنفيذه. ولكن من المعروف أن التحضير للقمة يتركز دائماً على تحاشي "المفاجآت" سواء من القمة أو للقمة، وبالتالي يحافظ على حالة الإحباط الملازمة للشعوب العربية، وهو أمر مهم، لأن "القلب العربي" المصاب بكل أمراض السياسة والاقتصاد، لا يتحمل أية مفاجآت فربما يصاب بسكتة، لذلك فقد كتب على العرب الاستمرار في حالة اليأس، فحال الأمة معروف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً وتقنياً. والعجز يضرب في كل المجالات تقريباً، والخيارات باتت محدودة لعدم وجود أية محاولة لتغيير الوضع القائم. كما يعتبر الخوف ظاهرة عامة تسود أروقة القمة، حتى قبل أن تنعقد، سواء من مُعدين أو مشاركين فيها، هذه الظاهرة هي حالة أو سمة دائمة تسبق وتواكب القمة.. الخوف من عدم الاتفاق، والخوف من ارتفاع حدة الصراعات البينية، والتراشقات الجانبية، والخوف من أن يصبح المأمول أكثر من المستطاع، والخوف من حدوث شيء يعكر صفو القمة، والخوف من التورط في التزامات يصعب تنفيذها، رغم أن توصيات القمة غير ملزمة. ثم الخوف من أن يقرأ أو يفسر الحلفاء خطأً أي قرار أو توصية للقمة، والخوف من توجيه اتهامات صريحة وواضحة لكل من يهدد أمن الدول العربية، والخوف من النقد ومن موقف الرأي العام من القمة، وخوف الدول الغنية من المساعدات المالية للدول الفقيرة، وخوف الدول الصغيرة من سطوة الدول الكبيرة. الجميع يشعر بتراجع الاهتمام العربي باجتماعات القمة، وعدم اكتراث الشعوب بنتائجها التي باتت معروفة مسبقاً، ولكن المثير في الأمر أن هذه الظاهرة لم تأخذها جامعة "عمرو كوسة" أو قمتها الموقرة بعين الاعتبار، وربما يرجع ذلك إلى إيمان الجميع بأن ما يحدث لا يخرج عن كونه تحصيل حاصل، والغمة التي أصابت العرب لن تنقشع مهما حاول "أهل القمة" ذلك، ومن ثم باتت الغمة مبرراً لحجب القمة. ورغم ذلك فإنه دائماً ما يسبق القمة حديث عن الملفات الساخنة والباردة، والمنسية والحاضرة، والمُلحة والمؤجّلة، والمهمة والأقل أهمية، وتجتمع القمة وتعلن كلمتها تجاه معظم الملفات، ولكن المؤسف أن الأمر يتوقف عند هذا الحد. بمعنى أنه لا يتجاوزه لتكون نتائج القمة فاعلة، الأمر الذي يجعل البعض يتمنى ألا تكون القمة قد عقدت أصلاً حفاظاً على ماء الوجه. وفي كل مرة نجد من يضخم أجندة عمل القمة قبل انعقادها ويوحي بأنها قمة الحسْم، ولكن تخيب الآمال وتتراجع الطموحات وتنكمش الهامات فور إعلان بيان القمة، ولسنا هنا بصدد البكاء على اللبن المسكوب، أو إعلان وفاة القمة قبل أن تبدأ، بل إننا نحاول أن نجعل القمة تتغلب على الغمة. إسرائيل وإيران مصدران رئيسيان واضحان لتهديد الأمن العربي، وهما لا تنكران ذلك، وسلوكهما وتصرفاتهما يدلان بلا مواربة على هذا التهديد والعداء، وهما لا تهتمان من قريب أو بعيد بالشعور العربي، ولكن القمة العربية تخشى أن تسمي الأشياء بأسمائها، وتحاول أن تنتقي بعناية الكلمات والمصطلحات التي تصفهما بها، مراعاة لشعورهما، وينطلق هذا الأمر من الغمة التي أصابت العرب وجعلتهم يشعرون دائماً بأنهم متهمون ومهمشون. ماذا لو تبنى العرب مبادرات محددة لحل قضايا بعينها، بمعنى أن تركز كل قمة جهودها وفكرها وطاقاتها على قضية واحدة أو أكثر من قضايا العرب المتأزمة، وتحاول وضع حل جذري لها شامل ونهائي يأخذ في الاعتبار مصالح كل الأطراف، ويزيح الغمة عنها. يجب أن تعترف القمة بوجود انكشاف استراتيجي عربي أمام التهديدات بأنواعها وصورها المختلفة لا يجد من يغطيه ولو بورقة توت، يجب الاعتراف بانكشاف "عورة" الضعف العربي العام وعدم القدرة على الوقوف ضد التهديدات والتحديات القائمة، والارتكان إلى التأجيل والهرب من المواجهة، فلم تعقد قمة عربية في الماضي من دون أن تكون أمامها قضايا تمس جوهر الأمن العربي، ولم تعقد قمة عربية دون وجود حزازات وتوترات بينية، ولم تنعقد قمة دون وجود قادة عرب يغرّدون خارج السرب، ويخوِّن بعضهم بعضاً، ويطلقون الاتهامات جزافاً، رغم أن الجميع يعلم عن يقين عدم جدوى القمة. فلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال والإرهاب والتطرف والطائفية والاحتلال الإيراني لجزر الإمارات والمصالحة العربية والتنمية وغيرها من القضايا، كانت ولا تزال وربما ستظل مطروحة على جدول أعمال القمة، وصدرت وسوف تصدر البيانات تلو البيانات من القمة لتشجب وتدين وترفض وتلعن وتشجع وتطالب وتدعو مختلف الأطراف إلى التوصل إلى حل، دونما أية مبادرات. يجب أن تنطلق القمة العربية من الداخل، حتى تكون هناك قاعدة صلبة للانطلاق نحو الخارج، ربما يكون من المهم الاتفاق على: ماذا نريد؟ وماذا نملك من قدرات وإمكانيات لنفعل ما نريد؟ فإن إصلاح الداخل يجب أن يأخذ الأولوية في مهام القمة. لذلك ربما تكون البداية الصحيحة هي أن تستحضر القمة العربية إرادة النهوض وتعمل على تجسيد "مشروع نهضوي عربي"، يتجنب الخلافات، ويضع جانباً الصراعات، ويؤجل مؤقتاً البت في كل الملفات، ويسعى بكل جدية وصدق وشفافية إلى الاتفاق على مرتكزات النهضة واستحضار التجارب الناجحة في التنمية الشاملة، ويضع خططاً قصيرة ومتوسطة وبعيدة الأجل للإصلاح الاقتصادي، والسياسي، والعلمي والتقني الداخلي. ولا يقلل من أهمية توصل القمة لمشروع حضاري عربي، أن الفرقة هي المعْلم البارز، وأن عدم الاتفاق سمة عامة بين الدول العربية، وأن التغير السريع صفة ملازمة للملفات الملحة المفتوحة، وأن الكثير من العمل العربي التضامني مطلوب، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. فإذا كانت الدول العربية تجتاحها الغمة، وفقدت توجهها وسط غمامة المتغيرات والتحولات الإقليمية والعالمية، فكيف تبحث عن حلول ناجعة لمشكلات وقضايا مُزمنة، قبل أن تملك إرادتها وتتوافر لها القدرة والإمكانيات والوسائل لحل القضايا الأخرى؟ تبقى الكلمة الأخيرة للقمة في أن تكون نقطة انطلاق للمستقبل، أو أن تظل أسيرة بيانات لا تسمن ولا تشبع!!