في منطقة الخليج لا يكاد أي منا يصدق أن هذه البقعة قد شهدت ثلاثاً من أقسى الحروب، امتدت إحداها ثماني سنوات، وفتحت الثانية عصراً جديداً في نوعية التخطيط العسكري وطبيعة الأسلحة المستخدمة، فيما تحولت الثالثة رغم نجاحها عسكرياً في تحقيق أهدافها، إلى مشكلة سياسية ومأساة إنسانية، بسبب الأخطاء المختلفة وتدخل دول الجوار واستغلال الجماعات الإرهابية للظروف وتضارب الأهداف السياسية وغير ذلك. وفي الكويت، التي انطلقت منها القوى الدولية، وبخاصة الأميركية والبريطانية، لإسقاط "نظام صدام" عام 2003، وسط حملة إعلامية عربية معادية للموقف الكويتي والتسهيلات المقدمة لهذه القوات، ووسط انقسامات صاخبة بين مختلف التيارات، أجرى باحثان من قسم العلوم السياسية هما د. مازن خليل غرايبة ود. عبدالله مشعل العنزي، دراسة ميدانية تحليلية لاتجاهات الرأي العام الكويتي تجاه "حرب الخليج الثالثة"، كما صارت تسمى تلك الحرب. فاختارا عينة أفرادها 700 مواطن كويتي من الجنسين، ممن تجاوزت أعمارهم عشرين عاماً، 400 من الذكور و300 من الإناث، نحو 75% منهم من طلاب الجامعات والمعاهد أو حملة شهادات الماجستير والدكتوراه. وقد قاما بنشر نتائج الدراسة، التي لم أرَ إشارة إلى تاريخ القيام بها، في العدد 85 -ربيع عام 2005- من دورية "شؤون اجتماعية" التي تصدر عن جمعية الاجتماعيين والجامعة الأميركية في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة. ولم أطلع على الدراسة للأسف وقت صدورها، وإن كانت الأسئلة التي أثارتها لا تزال قائمة. وقد اختلفت آراء المشاركين حول "أسباب الحرب" وتناقضت! 595 منهم وافقوا أن الحرب كانت من أجل "إزالة النظام وإقامة نظام ديمقراطي"، 528 منهم وافقوا على أن الحرب كانت لـ"تطبيق الشرعية الدولية وإزالة أسلحة الدمار الشامل". ولكن 418 قالوا إن الحرب كانت لـ"ضمان أمن إسرائيل"، و477 رأوا أن الحرب كانت لـ"تحقيق المصالح الخاصة للولايات المتحدة". وذهب 306 من المشاركين إلى أن أسباب الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة كانت "مُصطنعة وغير مقنعة"، فيما أكد 359 أن عدم صدور قرار من مجلس الأمن "نفى صفة الشرعية الدولية للحرب على العراق"، ورأى 242 أن الهدف من الحرب "التغطية على المشاكل الداخلية في الولايات المتحدة". كيف نظرت العينة إلى موقف الكويت من تلك الحرب؟ الإجابات هنا كذلك تبرز تناقضات التفكير السياسي في ثقافتنا، وفي أوساط طلبة وطالبات الجامعة بالطبع! فقد أجاب 668، نحو 95% من العينة، بأنهم "شعروا بالفرح عندما سقط النظام العراقي"، وأجاب 621 أن موقف الكويت من الحرب "مقنع ومتوازن"، وقال 600 من المشاركين "شعرتُ بالفرحة عندما دخلت القوات الأميركية بغداد". كيف نظرت العينة إلى مستقبل العلاقات بين الكويت والعراق؟ نحو 86% من العينة وافقت على أن إزالة النظام العراقي "ضَمِنت أمن الكويت مستقبلاً"، وطالب 80% من العينة الكويت بأن تفكر جدياً بإصلاح علاقاتها مع بعض الدول العربية. وفيما أيد 311 من أفراد العينة تقديم مساعدات مالية لتعمير العراق، لم يؤيد سوى 113 أن تتنازل الكويت عن التعويضات لدعم الحكومة العراقية القادمة. ولم تتعاطف العينة مع تفتيت العراق، فقد وافق 470 على أن عدم استقرار أوضاع العراق سيؤثر سلباً على الكويت، بينما لم يوافق سوى 185، أي ربع المشاركين، على أن "تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات هو الضمان الوحيد لأمن الكويت". في مناقشة الأستاذين الباحثين للنتائج ودلالاتها، يشيران إلى التناقض في آراء العينة، فمعظم أفراد العينة يرون أن الحرب على العراق كانت لتطبيق الشرعية الدولية وإزالة أسلحة الدمار الشامل، وأن الحرب من وجهة نظرهم كانت مشروعة على الرغم من عدم صدور قرار بخصوصها من مجلس الأمن. إلا أن أفراد العينة يوافقون أيضاً على "أن الولايات المتحدة الأميركية هي المستفيد الأكبر من الحرب، وأن الحرب هي جزء من مخطط أميركي يهدف إلى تحقيق ترتيبات معينة في المنطقة أهم أهدافها ضمان أمن إسرائيل". ويرى الباحثان أن الكويتيين قد عانوا خلال هذا الاستبيان من انقسام في الوعي بين آثار الغزو العراقي عام 1990 وما سببه من ألم ومعاناة من جانب، وما يرون في هذه الحرب من جانب آخر، عندما ينظرون للأمور نظرة متجرّدة من الموقف الأول، حيث "إن الحرب لم تكن في صالح الكويت في المقام الأول، وإنما جاءت خدمة لمصالح الولايات المتحدة، لكن هذه الرؤية لم تلغ من نفوسهم وأمانيهم رؤية سقوط نظام صدام حسين لما يبثه في نفوسهم من ارتياح وأمل طال انتظارهما". لكن كيف توصل الباحثان إلى أن الحرب لم تكن في صالح الكويت؟ وهل الكويت ستكون في وضع أحسن وحال أفضل لو استمر نظام صدام وأعوانه من بعده لسنوات طويلة قادمة؟ ويكرر الأستاذان الباحثان موقفهما السياسي من تحليل أهداف حرب إسقاط نظام صدام عندما يحللان الفوارق بين آراء الذكور والإناث من المشاركين في الدراسة. فالذكور كما تبين، كانوا أميل إلى الموافقة على "أن الحرب جاءت لتحقيق أمن إسرائيل"، وأن الحرب "جاءت لتحقيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية"، فقد بلغت نسبة الموافقين من الذكور 73% في مقابل 64% للإناث. ويذهب الباحثان في تفسير الفارق إلى أن الذكور بشكل عام، "أكثر متابعة واطلاعاً على القضايا السياسية وعلى ما يسود في المنطقة من أحداث وتداعيات". كما أن الرجال "أكثر انتماء للتيارات الدينية والفكرية التي لها مواقف سياسية معارضة لتوجهات الولايات المتحدة نحو المنطقة"، وهناك احتمال ثالث يشير إليه الباحثان وهو "أن النساء بشكل عام، أكثر من الرجال تأثراً بالخطاب الإعلامي الرسمي المؤيد للحرب على العراق". وقد تكون النقطة الثانية في هذا التحليل صحيحة، ولكن لماذا ينبغي أن يكون موقف الذكور هذا من دوافع الولايات المتحدة، دليل نضج ومتابعة واطلاع على القضايا السياسية؟ فأين ذهبت إذن ملاحظات الباحثين على تضارب آراء المشاركين وتناقضها في بعض الإجابات؟ وكيف يكون بعض التناقض في عقل الطلبة المشاركين دليل انقسام بين العاطفة الوطنية وما اعتبراه "نظرة مجردة" إلى الواقع السياسي، بينما تعتبر إدانة هذه الحرب، التي هي كأي حرب فيها ما فيها من مشاكل وصراعات، والتي لم تكن كلها لنا أو علينا، دليل نضج وسعة اطلاع وحنكة سياسية؟ ثم ألا يحق للكويت أن تكون لها مصالح وطنية واستراتيجية قد لا تتفق مع مصالح بعض الدول العربية وآراء "مثقفيها"؟ ولماذا تتصرف دول العالم العربي وشعوبه وفق مصالحها وأولوياتها، ويتحتم على الكويت عام 1990 و2003 وربما على الدوام، أن تتصرف وفق مصالح الآخرين؟ لماذا تمتلك كل هذه الدول هامشاً واسعاً للمناورة والدخول في كل أشكال الاتفاق والمهادنة والتحالف، بينما نضيّق المجال إلى هذا الحد على دولة محدودة الإمكانيات العسكرية والجغرافية والسكانية كالكويت؟ استطراداً لما اكتشفه الأستاذان الباحثان في هذا المجال، تبيّن لهما أن "هناك تناسباً عكسياً بين إجابات الفئات العمرية المختلفة حول السؤال المتعلق بأن الحرب كانت لمصلحة أميركية. فوضّحت النسبة المئوية أن الذين تقل أعمارهم عن 36 عاماً كانوا أكثر ميلاً من كبار السن (46 فأكثر) باعتبار أن الحرب كانت لتحقيق مصالح الولايات المتحدة الخاصة، حيث كانت نسبة الموافقين على ذلك ممن هم أقل من 36 عاماً 73% فيما كانت نسبة كبار السن 64%". وأظهرت بيانات المشاركين أن الذكور كانوا أكثر ميلاً لاعتبار أن الكويت كانت هي المستفيد الأكبر من الحرب، وكانت نسبتهم حوالى 42% مقابل 21% للإناث. أظهرت الدراسة، كما يقول الأستاذان، أن "الليبراليين" كانوا أكثر من غيرهم ميلاً إلى اعتبار أن "الكويت هي المستفيد الأكبر". ويفسران هذا الموقف بأن "الليبراليين" يرون أن الولايات المتحدة هي المدافع عن الفكر "الليبرالي"، وأنه "لا تعارض بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح حلفائها".