على رغم مرور أكثر من خمس سنوات على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لا يزال على الولايات المتحدة الأميركية إنشاء وكالة كفؤة يعول عليها في مكافحة الإرهاب. مناسبة هذا الكلام أن آخر عثرات وأخطاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، قد بثت خلال الأسبوع الماضي، على إثر إصدار المكتب لرسائل خاصة بالأمن القومي. جاء ذلك في جلسات استماع أجريت داخل الكونجرس، وعقدها وزير العدل "ألبيرتو جونزاليس". ووفقاً للإفادات التي قدمها "جونزاليس"، فقد أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي، آلاف الرسائل التي طلب فيها الحصول على معلومات هاتفية، وسجلات مصرفية وغيرها من المعلومات الشخصية الأخرى، خلال الأعوام 2003- 2004، مع العلم بأن تلك المسائل لم تكن تتطلب إذناً أو مصادقة من وزارة العدل. وعليه فإن المؤكد أن تستمر الجهود الرامية إلى تقليص الصلاحيات التي يخولها "القانون الوطني"، خاصة وأنها الصلاحيات التي أُصدرت بموجبها رسائل الأمن القومي المشار إليها آنفاً. وربما يؤدي استمرار هذه الجهود، إلى إجراء بعض المراجعة اللازمة في المجالين الإداري والقضائي معاً. غير أن كل الجدل الدائر الآن حول سوء الإدارة، بدلاً من تعيين الخطأ وتحديده، إنما يعد صرفاً للأنظار عما هو أساسي وجوهري. والمقصود بهذا، أن مكتب التحقيقات الفيدرالي قد عفا عليه الزمن، ولم يعد مناسباً لمهام مكافحة الإرهاب المطروحة الآن. وبسبب التضخم والبيروقراطية اللذين أصابا هذا الجهاز، فهو لم يعد قادراً ولا مؤهلاً للقيام بمهام الأمن القومي، بالقدر الذي يتطلبه ذلك من كفاءة ومرونة. ومن فرط سوء الإدارة التي تفشت فيه خلال السنوات الأخيرة الماضية، فقد أضاع الجهاز عدداً لا يستهان به من قطع الأسلحة وأجهزة الكمبيوتر المحمول، إلى جانب عجزه عن استكمال نظام حاسوبي بتكلفة 170 مليون دولار لإدارة عمله. وفي سوق المال، فإن الأسواق هي التي تحدد تلك الشركات والمؤسسات التي ترهّلت وتضخمت، إلى حد يصبح فيه لزاماً تقسيمها وتوزيعها إلى عدة مؤسسات وشركات. والذي يحدث في مجال الاستثمار، هو أنه عادة ما يتم الاستحواذ على المؤسسات المتعثرة هذه، أو أن يتم تقسيمها إلى وحدات وأقسام أصغر، كما سبق القول. ولكن المشكلة أن الوكالات الفيدرالية تفتقر إلى آلية التقسيم الذاتي، الخلاقة هذه. وعلى نقيض ذلك تماماً، فقد دأبت واشنطن في ردود أفعالها على أشكال التقصير الظاهر هذه، على إضافة طبقات بيروقراطية إلى الطبقات السميكة المتراكمة فوق بعضها بعضاً أصلاً. ولك أن تتخذ مثالاً لهذا، ما حدث في وزارة الأمن القومي، التي جرى إنشاؤها بعد هجمات 11 سبتمبر، أو ما حدث في منصب مدير الأمن القومي، الذي أنشئ ضمن العمل الاستخباراتي السابق لشن الحرب على العراق. ولذلك فإنه ليس ثمة منطق أو معنى للاعتماد على مكتب التحقيقات الفيدرالي وحده، في التصدي للجماعات الإرهابية كتنظيم "القاعدة"، وغيره -التي تستخدم شبكة الإنترنت في تنسيق وتدبير عملياتها ضدنا- إلى جانب اعتمادنا عليه في جوانب أمنية أخرى، مثل تجارة المخدرات، وأنشطة التجارة السرية في "وول ستريت"، إلى جانب قضايا وحالات انتهاك حقوق الطبع والملكية الفكرية، والتجسس الصناعي.. إلى آخره. وبهذه المناسبة، فإن علينا التذكير بما ورد عن نقائص وأداء مكتب التحقيقات الفيدرالي، في تقرير اللجنة القومية للتحقيق في هجمات 11 سبتمبر، خاصة وأن اللجنة أشارت دون لبْس أو غموض، إلى أنه ليس قادراً على حماية أمننا القومي ضد هجمات ومخاطر تنظيم "القاعدة". ثم تلا ذلك التقرير بعد عام من صدوره، تقرير لجنة "سيلبرمان- روب" الذي شرح المصاعب التي يواجهها المكتب فيما يتصل بإعادة هيكلته وتأهيله لمواجهة خطر الإرهاب الدولي. يذكر أن تلك اللجنة، كانت قد عنيت بدراسة النشاط الاستخباراتي السابق للحرب على العراق. ولكن المؤسف أن أياً من هذه النداءات بالتغيير، لم تلق أذناً صاغية. والنتيجة، هي تواصل اعتمادنا على جهاز أمني استخباراتي معطوب وعاجز. وإذا كانت هجمات سبتمبر، قد أرغمتنا على إعادة النظر في طبيعة الحرب نفسها، فلِمَ هذا التقاعس إزاء إنشاء المؤسسات الاستخباراتية الملائمة لطبيعة هذه الحرب الجديدة ومهامها الآنية المُلحّة؟! أما آن لنا أن نعيد النظر في عجز مكتب التحقيقات الفيدرالي؟ جون يو ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أستاذ القانون في جامعة "بيركلي" وباحث زائر بمعهد "أميركان إنتربرايز" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"