جميعنا يشتغل على قضايا مجتمعه حسب أدواته التي يملكها، وقدراته التي يتمتّع بها. فالمثقف الحقيقي يُجاهر بمواقفه من خلال فكره وقلمه، ساعياً بجهد صادق إلى نشر بذورها في بنية مجتمعه حتّى يرى بأم عينيه بصماتها مطبوعة في كل شارع، وعند كل منعطف، وداخل كل بيت. والسياسي النزيه من خلال منصبه الحساس، يُدافع باستماتة عن حقوق مجتمعه، ويحث المجتمع الدولي على تبنّي قضاياه حتّى وإن قدّم حياته ثمناً لها، وما أكثر الوجوه التي توارت تحت التراب غدراً، آخذة مبادئها الناصعة معها! ورجل الأعمال بماله، يملك العصا السحرية القادرة على احتواء الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تعصف ببلاده، باحتواء مشاكل الشباب، وفتح قنوات عمل لهم، واستثمار ثروته في وطنه. لكن كما أن هناك مثقفين من الممكن شراء ذممهم للترقيع لنظام معين، أو رفع شأن مسؤول ما، أو التطبيل لنائب معروف بتاريخه المليء بالبقع السوداء، هناك أيضاً سياسيون تتصدر صورهم الصحف، مستعدون لبيع أوطانهم بأوراق رسمية، طمعاً في الحصول على مقعد ثابت وسط لعبة الكراسي! وبجانب هاتين الفئتين يوجد كذلك رجال أعمال يملكون أرصدة مكدسة في بنوك الخارج، لكنهم يصمّون آذانهم تجاه ما يجري من أمور مزرية داخل مجتمعاتهم! لو نظرنا صوب الغرب سنجد أن رجال الأعمال الأثرياء لهم دور مهم في التطوير الاجتماعي والاقتصادي، بل وفي توجيه المنتخبين صوب صناديق الاقتراع في بلدانهم. قصص مشرّفة لا نجد لها على الجانب الآخر العربي إلا أمثلة نادرة، تُعدُّ على أصابع اليد الواحدة مثل قطرة في بحر واسع! في المكسيك يُوجد ثالث أغنى رجل في العالم كما صنفته مجلة "فوربس" الأميركية، يُدعى "كارلوس سليم"، وهو منحدر من أصل لبناني، هذا الرجل لم يجلس في برج عاجي يتأمل ثروته الضخمة، متجاهلاً مشاكل مجتمعه، بل قام بدعم نشاط اجتماعي جميل، ينحصر في المشاريع الخاصة بتأهيل المساجين الخارجين من السجن، ومساعدتهم للانخراط في نسيج المجتمع من جديد، بجانب ولعه بالأعمال الفنية، وهو ما حدا به إلى إنشاء متحف خاص بأحد المراكز التجارية يضم منحوتات لفنانين مشهورين. جميعنا تابعنا خبر غضب الجالية اليهودية الأميركية تجاه الرئيس الأسبق جيمي كارتر، بسبب إصداره كتاباً يتحدّث عن ممارسات إسرائيل العنصرية، وهو الكتاب المعنون بـ"فلسطين: سلام لا أبارتايد"، وهي تعني التفرقة العنصرية التي كانت سائدة في جنوب أفريقيا قبل أن تتحرر من سطوة الرجل البيض، مما دفع بعدد كبير من رجال الأعمال اليهود إلى قطع تبرعاتهم الكبيرة عن جامعة "برانديس" اليهودية الأميركية، وذلك بعد أن تناهى لسمعهم خبر دعوة إدارة الجامعة للرئيس كارتر إلقاء محاضرة بها. بصرف النظر عن تحفظنا على هذا الموقف المتعارض مع حق كافة الشعوب في العيش بكرامة داخل أوطانها، إلا أنه يُبيّن بالصوت والصورة دور رجال الأعمال في الترويج لقضايا مجتمعاتهم، وفي التعبير عن مواقفهم الشخصية الداعمة لسياسات حكوماتهم، بسلطة المال التي لا يختلف أحد على مدى تأثيرها على الآخرين، بل وعلى قدرة أصحابها في بسط نفوذهم على ممتلكات غيرهم! كل هذا الصخب والضجيج، والإشارات التي يرسلها رجال الأعمال الأثرياء في الغرب، يدفعنا للتساؤل: أين رجال الأعمال العرب الكبار، من المولد الكبير الذي تتخبط فيه الأقدام والأذرع في عالمنا العربي بعشوائية، باحثة عن مُنقذ ينتشلها من همومها المتراكمة؟! أنتظر بشغف الإجابة!