يحتفل الاتحاد الأوروبي يوم الأحد القادم، بالذكرى الخمسين لتوقيع "اتفاقية روما" التي نشأ بموجبها في عام 1957 اتحاد جمركي وسوق أوروبية مشتركة، فضلاً عن عدد من مؤسسات التعاون الاقتصادي الأخرى بين ست دول أوروبية حينها، أي الأعضاء الذين ازداد عددهم على مر السنين، ليبلغ اليوم 27 دولة. وفي يوم الاثنين الماضي، شهد الساحل الآخر من المحيط الأطلسي، أي الولايات المتحدة الأميركية، مظاهر بدايات العام الخامس على تلك الحرب ممثلة في تحركات واسعة ضد الحرب، التي كانت واشنطن قد بادرت بقيادتها وشنها، على أمل إحلال السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط! وكان الاجتماع السنوي للجنة الثلاثية للمجموعة الخاصة بكل من أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا، المنعقد في بروكسل، في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، قد اقترح إجراء مقارنة بين المناسبتين -أي الذكرى الخمسين لتأسيس الاتحاد الأوروبي، وبداية السنة الخامسة للحرب على العراق- بغية دراسة الجدل الذي تثيره كلتاهما. يذكر أن اللجنة الثلاثية المشار إليها آنفاً، كانت قد أنشئت عام 1973، وأنيطت بها مهمة مراقبة مجريات الوضع الدولي، وإجراء الدراسات المتخصصة في القضايا العالمية الرئيسية. وفي اجتماعه الأخير تحديداً، كان للاتحاد الأوروبي حضور كبير في مناقشاته. وكان المضيفون البلجيكيون للاجتماع، وكذلك رئاسة الاتحاد والبرلمان الأوروبيان في بروكسل، قد عقدوا العزم جميعاً على أن يظهروا للضيوف والزوار الأجانب عظمة الإنجازات الكبيرة التي حققها الاتحاد الأوروبي، في مسيرة الخمسين عاماً الماضية من تاريخه. ولذلك فقد كانت القارة الأوروبية التي عكسها الاجتماع، قارة استطاعت خلال الخمسين عاماً الماضية من تاريخها، رسم خريطة سياسية جديدة لمنطقة عصفت بها حروب التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وقوضتها النظم السياسية الشمولية المستبدة، وممارسات الشرطة السرية، ولحق الدمار الهائل بشعوبها وأجيالها فيما بين الحربين العالميتين... لكن أضحى الآن من أبرز سماتها العامة: التعاون السلمي، ورفض الحرب، وإحراز التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإيثار الأفراد والمؤسسات وتقديمهما للمصلحة العامة على الخاصة، على نحو لم يكن له مثيل أو سابق في النظام السياسي لدولة أو أمة. يذكر أن "روبرت كاجان"، الكاتب الأميركي الشهير، كان قد وصف القارة الأوروبية بأنها "الفردوس" في كتابه "عن الفردوس والقوة" الصادر عام 2003. ورد "كاجان"، سبب وازدهار الاتحاد الأوروبي، إلى وجود الولايات المتحدة الأميركية ذاتها، والتي أشار إليها برمز "القوة" في كتابه. ووفقاً لـ"كاجان"، فقد ظلت أوروبا قارة وديعة هادئة مسالمة ومزدهرة، شأنها في ذلك شأن كوكب "الزهرة"، بينما ظلت أميركا بمثابة كوكب "المريخ" الناري الأحمر، واقفاً كالفارس المغوار للذود عنها وحمايتها. وهذه هي حقيقة أوروبا من وجهة نظره، وحقيقة أميركا أيضاً خلافاً لـ"المحافظين الجدد" الذين يفضلون تسميتها بالقوى "الهوبزبوية" الخارجية -نسبة إلى الفيلسوف السياسي الإنجليزي توماس هوبز- مع العلم أنها قوى ذات أنياب دامية وأظافر مشرعة، وهي متعطشة على الدوام لنهش كبد أوروبا الوديعة الحالمة. وكان القصد من كتاب "كاجان" أعلاه، أن يثير في نفوس الأميركيين شعوراً بالزهو والسعادة، لكون بلادهم حارسة وقيّمة على أمن ورخاء جيرانهم الأطلسيين، في مقابل ذمِّ الأوروبيين على تقاعسهم في الوقوف إلى جانب حامي حماهم، في ما يشنه من حروب وغزوات، وفي ما يقوم به من أعمال اختطاف واغتيالات وتعذيب وسجون سرية، وغيرها من الممارسات الاستثنائية غير المشروعة، ضمن حربه الضارية المعلنة على الإرهاب الدولي، أو ضد ما تسميها واشنطن "الدول المارقة"، مثل العراق سابقاً وإيران وكوريا الشمالية الآن، وأيضاً "الدول الفاشلة" على شاكلة أفغانستان والصومال، إلى جانب الحرب على تنظيم "القاعدة"، وجهاديي "حماس" و"حزب الله" وغيرهم من المتطرفين الإسلاميين المنتشرين في شتى أنحاء العالم! ثم إن هذه الدول الأوروبية نفسها، أضحت منشغلة اليوم بتدريب ومساعدة عدد من الدول التي كانت ذات يوم تحت إمرة الاتحاد السوفييتي السابق، سواء تلك الواقعة منها في منطقة البلطيق أم تلك المنضوية سابقاً في "حلف وارسو". وللكثير منها خلفيات تاريخية ممزقة، سواء تمثلت في القمع الداخلي أم الخارجي الذي تعرضت له، أم في النزاعات العرقية. وقد أصبح من واجب أوروبا، مساعدة هذه الدول في بناء مؤسساتها الديمقراطية واقتصاداتها، حتى تتمكن من الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي. وبالفعل فقد تمكنت غالبية هذه الدول من نيل عضوية الاتحاد، الذي قفز عدد أعضائه إلى 27 دولة، بينما تقطع دول أخرى شوطاً أبعد في طريق الالتحاق بالاتحاد. على أن عام 1957، لم يكن البداية التاريخية الحقيقية لما أصبح يعرف اليوم بالاتحاد الأوروبي. بل الصحيح أن تلك البداية، تعود إلى "معاهدة باريس" المبرمة عام 1951. وفي هذا التاريخ الأخير، كانت كل من ألمانيا، وبلجيكا، وفرنسا، ولوكسمبورج، وإيطاليا، وفرنسا، قد قررت وضع مصانعها الحربية تحت إدارة واحدة، بناءً على مبادرة تقدمت بها فرنسا. وكان الهدف وراء تلك المبادرة، ضمان استدامة السلام في القارة الأوروبية. وقبل عامين من ذلك التاريخ، أي في عام 1949، كان قد أنشئ "حلف الناتو"، من أجل تحقيق الهدف نفسه، وذلك بإقامة تحالف دفاعي عسكري متبادل، بين كل من الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأوروبا الغربية. والذي حدث هو أن كلتا المؤسستين حققت نجاحاً أكبر مما تصوره الكثيرون. فبحلول عام 1990، تحول الاتحاد السوفييتي إلى ذكرى وتاريخ من الماضي، بينما تحررت دول "حلف وارسو". فمن الفاعل الذي أنجز ذلك التحول؟ والإجابة: أن الاتحاد الأوروبي هو الفاعل، قبل غيره. ذلك أن "الناتو" كان ضرورة دفاعية لابد منها. وكان من الجنون ألا تخطر في البال عام 1949، إمكانية حدوث عدوان على الغرب من قبل الاتحاد السوفييتي. غير أن ما نعرفه جيداً عن تاريخ تلك الفترة، أنه لم يحدث أن خطط السوفييت جدياً لتوجيه ضربة عسكرية إلى الغرب. والذي يجب قوله هنا، أن ما دمر الاتحاد السوفييتي السابق، هو تآكله أو اضمحلاله الأخلاقي والسياسي والمادي الداخلي. وبفعل ذلك الاضمحلال، فقد أضر به سياسياً وعالمياً، النجاح الباهر الذي حققه الاتحاد الأوروبي، في تحويل دول أوروبا الغربية، إلى ما هي عليه اليوم من تقدم وازدهار. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيس"