نشرت مصادر إعلامية عدة، خلال الأيام الماضية خبراً، بدا لي مثيراً للاهتمام وجديراً بالانتباه، أكثر مما لقيه من وسائل الإعلام العالمية، خاصة على ضوء الأحداث المتعلقة بـ"الصراع النووي" الأميركي- الإيراني. مفاد هذا الخبر، "أن التقنيين الروس العاملين في بناء محطة بوشهر النووية في إيران، وعددهم نحو 2000 تقني، سيغادرون إيران عائدين إلى بلادهم"، والسبب المعلن لهذا الرحيل، المفاجئ والغامض، هو الخلافات المالية التي تعرقل استكمال الشركة الروسية لمشروع مفاعل بوشهر النووي الإيراني. ليس باستطاعتي، إبداء استغرابي من الذي يحدث بين روسيا وإيران، لأكثر من سبب، أهمها أن روسيا أثبتت أكثر من مرة أنها لا تستطيع الوقوف بوجه الولايات المتحدة لتدافع عن أصدقائها، فقد راهنت إيران مثل غيرها من الدول في السابق على روسيا ولكن لم تنجح، هذا من جانب. ومن جانب آخر، فقد بدأت استوعب بأن ما تحمله الخلافات الروسية-الإيرانية، المتكررة خلال الفترة الأخيرة، والتي انتهت ببدء سحب الـ2000 تقني روسي سراً، على أنها مؤشر وبرهان قوي بأن لدى روسيا معلومات، تؤكد أن سير الأحداث في الصراع الأميركي-الإيراني يتجه نحو الحل العسكري، كما كانت تسير عليه الأحداث في المحاولات الأخيرة من فترة ما قبل الغزو الأميركي للنظام العراقي السابق، فقد كانت رسالة روسيا من انسحاب رعاياها دليلا قاطعا بأن الحرب قادمة. المتابعون لتطورات الأحداث يعتقدون أن الروس- حالياً- لا يستطيعون شرح الأسباب الحقيقية التي دفعتهم إلى سحب خبرائهم الألفين، وإلى اختلاق كثير من المشاكل المالية مع إيران في هذا التوقيت، رغم أنهم يؤكدون أنهم لن يواصلوا دعم إيران ضد أميركا. رغم ما هو معروف عن الروس من أنهم يغيرون موقفهم في قضية ما حينما يحصلون على حوافز اقتصادية تعوضهم عما يخسرونه من الطرف الآخر وينسحبون في اللحظات الأخيرة. أسباب الخلاف بين روسيا وإيران حول استكمال محطة بوشهر، لا تبدو واضحة، وما يعلن من الجانبين عن حقيقة الخلاف لا يبدو مقنعاً للكثيرين، ويمكن للمراقب أن يجد للسياسة دورا في الخلاف المالي الذي تزعمه روسيا. وحسب ما يرصده المراقبون للشأن الروسي، فإن هناك اعتقادا ما بأن لدى روسيا معلومات تؤكد أن الضربة العسكرية المحتملة ضد مفاعل بوشهر قد تأكدت. وأن افتعال خلاف مع طهران إما بهدف إيجاد مظلة لسحب الخبراء الروس، خشية تعرضهم لضربة أميركية مفاجئة، وإما لتعزيز الضغوط على طهران وتغذية المخاوف الإيرانية من ضربة محتملة. يشبه المراقبون تطورات الصراع الأميركي-الإيراني، بتطورات الفترة الأخيرة للصراع الأميركي مع النظام العراقي السابق، ويشبهون ما يحدث الآن بما حصل حينئذ. ففي الوقت الذي كان يعتقد كثيرون أنه من المستحيل شن هجوم على العراق، كانت روسيا تخلي رعاياها من العراق، وهذه أول أوجه الشبه في الصراع، بل كان ذلك الموقف الروسي منطلقاً إلى تصعيد حدة الصراع. ومن صور استنساخ الرسالة الروسية أيضاً، من الأزمة العراقية، لإيران، نقلاً من تفسيرات المراقبين، أن الأوضاع تتشابه حالياً في رغبة النظام الإيراني، ممثلة في أحمدي نجاد، بحضور جلسة مجلس الأمن وإلقاء خطاب فيها، والذي بدلاً من أن يعلن مبادرة تاريخية لحل الصراع، فإن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، ستركزان على المفردات التي قد يستخدمها أحمدي نجاد، سواء في الملف النووي أو "التشكيك في المحرقة اليهودية" لتهييج الرأي العام الدولي ضده، فتصبح رغبة إدارة الرئيس جورج بوش في الحصول على "زلة إيرانية" يبدأ من خلالها الضربة المحتملة قد تحققت. وبالتالي تتساوى معادلة صراع العراق مع أميركا بمعادلة صراع إيران مع أميركا. يعيش العالم لحظة ترقب فيما يخص التوتر الحاصل بين الولايات المتحدة وإيران، الإشارات الصادرة حول هذا التوتر كثيرة. القليل منها يقر بأن تفادي الضربة احتمال ضعيف وفي مجملها تقول بأنها قادمة. محمد خلفان الصوافي sowafi@hotmail.com