تلبية لدعوة من مدينة "ديْر الزّور" في المنطقة الشرقية بسوريا، قمتُ بتقديم ثلاث محاضرات حول مسألة واحدة وضمن ثلاثة مراكز. أما المسألة المعنية فهي التي تحمل عنوان هذه المقالة، في حين كان إلقاؤها قد تمّ في المركز الثقافي ضمن المدينة المذكورة، وضمن بلدتين تابعتين لها من الناحية الإدارية. والطريف الدّال هنا يكمن في أن اختيار الموضوع المشار إليه أتى من أطراف متعددة من مواطني المنطقة الشرقية المذكورة، التي تتّسم بكونها قريبة من مناطق تقوم -في تكوينها السكاني- على تعددية قومية ودينية وإثنية وطائفية، مما يحمل إشارة إلى ضرورة الانتباه إلى ما يحدث الآن في العراق ولبنان خصوصاً من سجالات ومناكفات وصراعات ذات خصوصيات تتحدر من تلك التعددية، ومن غيرها؛ هذا مع التنويه إلى أن المنطقة الشرقية نفسها لا تخلو من هذه التعددية ومن خصوصيات تتصل بالبادية والحضر والريف، وما يمكث فيها من عشائر وقبائل تنتمي إلى ما قبل البنية المجتمعية الوطنية. لماذا طرْحُ ثنائية الأصولية والعلمانية في مثل تلك الوضعية المركبة والمُعقدة؟ إنه سؤال يجد مسوّغاته في التحولات الداخلية والوافدة والمتعلقة برهان تفتيت ما هو مفتّت في المجتمع السوري عموماً وإجمالاً. والمسوغات المذكورة تتعاظم مع الإخفاقات المتتالية في إنجاز المشروع الإصلاحي الوطني الديمقراطي، وكذلك مع المخاوف من استغلالها استغلالاً شنيعاً مُمنهجاً من قِبل قوى خارجية لم تعد تعمل سراً، وإنما تُفصح عن نفسها علناً وعن أهدافها. فالأصولية الإسلامية هي نِتاج محلي عربي إسلامي، أتى تحت وطأة الحُطام العربي وما استثاره من إفقار وتهميش وإقصاء، مع إشارة ضرورية لتفكُّك إشكال أولية لمشاريع عربية أربعة، هي القومي والليبرالي والاشتراكي والإسلامي غير الدَّوْلتي (أي الذي لم يطرح شعار دولة دينية). ويؤكد على محلّية إنتاج الأصولية وعلى خصوصيتها الإسلامية العربية لهدفين اثنين. أما الأول منهما فيقوم على الحثِّ على البحث فيها تاريخاً (كيف تشكلت ونمت وتطورت)، وبنيوياً (كيف تتجلى بنيتها الراهنة وما الوظائف المنوطة بها في المرحلة الراهنة، التي تمثل العولمة طرفاً أساسياً في ظهورها). ويظهر الهدف الثاني في الرد على معظم التفسير الرسمي العربي لنشأة الأصولية، الذي يتحدد في القول إنها ظاهرة صنعها الاستعمار أو النظام العالمي الجديد- العولمي وأوفدها إلى الدواخل العربية. فهذا التفسير يُعمي على الظاهرة المذكورة، ومعها على الدواخل العربية ذاتها. من طرف آخر، تظهر قسوة الأصولية في انطلاقها من رفضها للتعددية ضمن النسق الإسلامي ذاته وما بين هذا النسق والأنساق الأخرى من خارج الإسلام، وتصل على هذه الطريقة إلى نتائج تكفيرية لمن لا يأخذ بها. وفي هذا كله، تستخدم الظاهرة المعنية نصوصاً دينية قرآنية وحديثية لتسويغ رؤيتها الأيديولوجية المذكورة. في ذلك كله، يتضح الموقف الأصولي من "العَلمانية" على أساسين اثنين، يقوم الأول على اعتبارها ظاهرة أجنبية خارجية أدخلها الغرب بهدف تدمير الإسلام، في حين يقوم الأساس الثاني على وضع الإسلام في مقابل العلمانية، ومن ثم على الوصول إلى إعلان الثانية بمثابتها نظرية أو رؤية إلحادية لا تشكل خطراً على الإسلام وحده، وإنما على الأديان كلها دون استثناء. وفي مناقشة لذلك، أمران اثنان يقوم أولهما على ما اعتبره كتاب إسلاميون "مفاجأة مثيرة". وهذه المفاجأة تتضح في الواقعة التاريخية المتمثلة في ظهور "دستور المدينة" كوثيقة أسسها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حين دخل إلى المدينة يثرب في ظل وجود مجموعة من المسلمين والمسيحيين والنصارى واليهود وغيرهم. والفكرة المركزية في هذه الوثيقة (وقد أتى على ذكرها وأوردها جمع من المؤرخين والكتاب الإسلاميين مثل الطبري في تاريخه)، تتمثل في القول إن ما يجمع الداخلين إلى المدينة إنما هو كونهم منتمين إلى يثرب وكونهم يكوّنون تجمعاً مدينياً متآخياً ومتوافقاً على العيش بسلام معاً، وكذلك على مهمة الجميع في حماية هذا الوجود الجمعي والدفاع عنه. أما يميز بين أفراد أو مجموعات ذلك التجمع، فيكمن في أنهم ذوو انتماءات ومرجعيات دينية ومذهبية متعددة مختلفة يعودون إليها في شؤونهم الدينية والمذهبية في أحوال الفهم والتفسير والتأويل والإجابة. ومن ثم، فقد ميّز "الدستور" بين العام والخاص في حياة مجموعات متحدة في الوجود المجتمعي المدني، ومختلفة في المرجعيات الدينية والمذهبية، مما كان ينطوي على فكرة في العصور الحديثة، وهي فكرة المواطنة، وما يترتب عليها من وفاق وطني مدني قائم على الإرادة المشتركة والوعي العمومي. مفهوم العلمانية لا يمثل خصوصية أوروبية محض، وإنما هو -في دلالاته وتشخصاته- وُجد في التاريخ العربي الإسلامي.